خط له تاريخ.. حكاية “شيخ الخطاطين”.. قاوم الاحتلال فى بورسعيد بخطه على لافتات “يسقط الاستعمار”.. ترك لمساته على تترات مسلسلات زمان.. وامتلك أكبر متحف للخط العربى بـ15 ألف لوحة “صور”

C3C7383C-44D6-4AAA-B9F9-30FB26D96DB5

1F7737F0-3AD4-44B3-88B4-4BEE60EE42CE

B3736EB9-4A53-4154-BA3A-E8F053CC4662

D2756C0C-4E14-4BE0-9E9C-0EE6BB1038C9

3C1E2A1C-393B-4B98-98C7-B5CECF0C5895

E5A365D8-A112-4697-AF6F-907C91E00F10

94D1189B-3EB5-4595-93E2-C2FBD9C1932E

81464F92-53A7-490B-86E6-E1B9500E9015

111C81F3-D653-462E-9AF2-A76F02C9367C

7DFF9471-2954-4CF5-86AF-0BE15FDCA501

9B0A2B83-A364-468F-B1F6-78B589CB9FCA

4097EBBB-6174-4016-8159-AA8352776BE6

689B46A1-4F27-40A8-A0B3-BE50EB559C81

B4CB64DE-DF21-4D9B-8FA2-69FF6E964EB9

8907691F-16AC-4C1D-A995-68EC12687B23

3796C949-40FD-4A9C-A758-401B26B5D95D
منة الله حمدى

عودة بالزمن لمنتصف أربعينيات القرن الماضى، لتجد طفلا صغيرا لم يتجاوز السادسة من عمره يخط بأنامله الصغيرة لافتات مناهضة للاستعمار داخل مدينة بورسعيد، مكتوب عليها “من يتعاون مع الإنجليز له الموت” و”يسقط الاستعمار”، حين كان يستعين به رجال المقاومة فى رسم الحروف، فبدأ بكلمات تندد بالاحتلال رسمها على جدران المنشآت لتمتلئ بها شوارع بورسعيد، لم يخف البريء من مطاردة البوليس فحبه لبلده كان له الدافع كى يبحث عن أجمل الخطوط فى سنه الصغير ليرسمها بفطرته إلى كلمات، حتى عشق الخط العربى وأصبح فيما بعد “شيخ الخطاطين” فى مصر والعالم؛ فقد حفر لقبه بتعب وجهد استمر أكثر من 65 عامًا؛ إنه مسعد خضير ولد فى السابع عشر من أكتوبر عام 1942، وشهرته “خضير البورسعيدى”.

بدايات الخطاط الصغير مع أول لوحة كتابها

“الموسيقى أذن والخط عين” فقد داعبت الحروف عينيه بجمالها فعشقها؛ فبدأ فى تدريب نفسه على كتابة الحروف؛ واستعان بكتاب للخطاط التركى محمد عزت وجده ضمن مجموعة من الكتب على عربة “روبابيكيا”، ومن وقتها قد لقب فى مدينته بورسعيد بالطفل الخطاط؛ ثم التحق بعدها بالمدرسة، وكان أول يوم لا ينسى حين جذبته الصبورة السوداء، فاستعان بمقاعد الفصل حتى وصل إليها ومعه الطباشير الذى لا تفارقه، وكتب بخط جميل “الملك فاروق ملك مصر والسودان” فأبهر أساتذته بخط الثلث فى سنه الصغير وطلب منه مدير المدرسة أن يعلم زملاءه، أما أول لوحة كتبها فكان فى الصف الثانى الابتدائى حيث طلب منه زميلًا له أن يكتب لافتة محل والده وكانت “محمد عبد العال المصرى وأولاده” ومع إصرار الطفل وبراعة الخطاط الصغير استسلم الرجل ونالت اللافته إعجاب الجموع داخل السوق الحميدى ببورسعيد.

توثيق المقاومة الشعبية فى بورسعيد على جدران محافظة طنطا

وفى سن الـ14 عامًا، هاجر مسعد خضير إلى محافظة طنطا بسبب العدوان الثلاثى وتهجير أهالى محافظات القناة الثلاث، وفى هذه البلدة البسيطة أبهر “خضير” أهالى المحافظة بتوثيق معارك الفدائيين ببورسعيد على جدران المنشآت؛ فكانت “سيدة ممسكة بيد الهون، رجل ممسك بعصاته، وشباب بالسلاح” فتهافت عليه أصحاب المحلات لكتابة لافتات محلاتهم وحينها كان هناك شرط وحيد هو أن يكون اسم المحل مصحوب بكلمة بورسعيد “بقالة بورسعيد، مكوجى بورسعيد” وإلا سيدفع صاحب المحل ثمن كتابة اللافته وهو 10 قروش.

بعد هجرة دامت ما بين أربعة إلى خمسة سنوات عاد المبدع الصغير إلى بلدته، وفتح محله القائم حتى الآن خلف قسم العرب ببورسعيد، وظل يعمل فيه خطاطًا حتى عام 1964 حين استدعاه الجيش المصرى لأداء الخدمة العسكرية، وبعدها قرر الهجرة إلى العاصمة “القاهرة” وفتح مقر له فى منطقة الجمالية واستقر فيه حتى الآن.

الخط العربي كائن روح

“الخط العربى كائن روح” هكذا وصفه “خضير البورسعيدي” فقال: ألعب بالنص وكأنى أقوم بعمل غنائى فأحول النص إلى صورة مرئية تفيد الناس كمثل” لسانك حصانك أن صنته صانك وإن هنته هانك” فقمت برسم المثل على صورة حصان يقف على الإهانة؛ فإذا رآه أحد لا يعرف القراءة سيفهم النص المكتوب، وفى ذلك أدين بالجميل لأساتذتى محمد عبد القادر، سيد ابراهيم ومحمد حسنى والد الفنانة سعاد حسنى، فى إتقانى الخط العربى فتعلمت منهم الكثير فهم أساتذتى وأصديقائى.

الصدفة جعلته مدير إدارة الخط العربي بالتليفزيون المصري

ويكمل خضير حديثه: جاء عملى فى التليفزيون المصرى بمحض الصدفة حين كان أحد تلاميذى يتقدم للعمل به كخطاط وأخذ معه بعض كتاباتى التى نالت إعجاب رئيس قسم الخط بماسبيرو وطلب منه أن يرانى للعمل معهم وبالفعل كانت بداياتى فى التليفزيون المصرى بكتابة تتر مسرحية للفنانة الكبيرة سميحة أيوب، وكتبت العديد من تترات المسلسلات القديمة مثل المشرابية، القاهرة والناس، حنفى الونش، بابا عبده، الرايا البيضا، ابو العلا البشرى وليالى الحلمية، والشهد والدموع، وأخرجت تتر مسرحية المشاغبين وغيرها من المسلسلات والمسرحيات التليفزيونية.

كما أنى كتبت العديد من تترات الأفلام لكبار الفنانين منهم إسماعيل ياسين، ومن أهم البرامج التى كتبت تتراتها برنامج العلم والإيمان للدكتور مصطفى محمود نالت إعجابه لدرجة أنه قال ” محمود عفت آتى بالغابة اللى عزف بها وأخذها منه خضير براها وكتب بها التتر حتى أصبح الخط العربى عازف موسيقى تتر البرنامج” .

صاحب أكبر متحف للواحات الخط العربي يضم 15 ألف لوحة

بأصابعه الذهبية عزف بأنغام الحروف أجمل الكلمات، وسبحان الذي علم بالقلم ، فكتب المصحف الشريف 6 مرات لدول إسلامية مختلفة، وشارك في كتابة كسوة الكعبة المشرفة عام 1982، وأقام متحف للوحاته ضم 15 ألف لوحة جعله مزار للسائحين وعشاق وموردين الخط العربي، فالمعروضات ليست للبيع مهما كانت مغريات ثمنها.

الخط العربي كائن حى إذا دخل الكمبيوتر خرجت منه الروح

لم يكتف بعشقه للخط العربى فقط ولكنه سعى بجهده للنهوض به فأنشأ جمعية ونقابة الخط العربى وخاطب الكثير من المسئولين لتكون مادة الخط العربى من المواد الأساسية والتى تدخل ضمن تقيم الطالب ونجاحه خلال سنواته الدراسية، وأكد “خضير”: فى بغداد مادة الخط العربى تصل إلى تحضير الدراسات العليا والدكتوراه، فلابد من الاهتمام به، الخط العربى هو هاويتنا وإذا ضاع مننا ضاعت هاويتنا، وتابع: الكمبيوتر لغة العصر يصلح لتجميع كتاب، ولا يصلح لعمل إعلان يضمن خطوط متنوعة، لأن الخط العربى كائن حى إذا دخل الكمبيوتر خرجت منه الروح “وسبحان الذى علم بالقلم وليس الكمبيوتر، لأن ضربات قلبى بتدق فى الحرف، لذلك الحرف المكتوب فيه روح يشعر به القارئ” .

المناصب التى تولها خضير البورسعيدى

تولى شيخ الخطاطين العديد من المناصب منها رئيس شعبة الخطوط باتحاد الفنانين العرب، عضو عامل بنقابة الفنانين التشكيلين منذ نشأتها، عضو النقابة العامة للصحافة والطباعة والأعلام، مدير إدارة الخط العربي بالتليفزيون المصري، عضو مجلس إدارة الخط العربي بوزارة التربية والتعليم واشترك في إعداد وتطوير المناهج لمدارس الخطوط.

أما عن التكريمات فرشح لنيل جائزة الدولة التشجيعية في مصر عام 1984، كرمته دار الأوبرا المصرية في مهرجان الموسيقى العربية السادس عام 1997، كرمته وزارة الثقافة في مهرجان الخط العربي عام 2000 بقصر الفنون، منح جائزة الكوفة التقديرية في الخط العربي عام 1995 ، منح الوسام الذهبي لمهرجان كاظمة العالمي بالكويت عام 1996 منح جائزة الصين في الفن الإسلامي عام 1996 ، وقد زاره في متحفه الخاص بالحسين الرئيس مأمون عبد القيوم رئيس دولة المالديف.