چيزيل عازورى.. حدوتة بورسعيدية عاصرت 3 ملوك وتنقل تاريخ المدينة للأجيال

390EA6F4-B0BA-4658-B028-E40B94894425

3E7E0E55-B4C7-4DD3-984E-3DBC3E6E41E1

0F89160F-33EF-40C0-95F1-F04A6E290D64

9F17A612-80D2-45DF-BF57-48E57207C0B9

كتب سامح بدوى

فى عيونها الحادة يمكن أن تقرأ تاريخ قرابة الـ100 عام لمدينة بورسعيد الباسلة، كل خط رسمه الزمن على وجهها هو جزء من هذا التاريخ الذى تحفظه حتى اليوم بكل وضوح، تاريخ يختلف كثيرا عن التاريخ المدون فى صفحات الكتب أو المجلات، تاريخ تحفظه السيدة “چيزيل جان عازوري”، المصرية اللبنانية، للشعب والحياة فى مدينة بورسعيد التى عاشت فيها 92 عاما بالتمام والكمال.

بين مجموعة من شباب بورسعيد تجلس “چيزيل” تروى باسترسال رحلة 92 عاما لمدينة بورسعيد، الجميع يجلس باهتمام وانتباه وبينهم اتخذنا موقعنا أيضا، فى الخلفية صور معلقة لرحلتها وبابتسامة هادئة تروى التفاصيل ببراعة، تصمت دقائق لتستعيد بدقة الأرقام والتواريخ حتى تتأكد من كل كلمة ترويها، والجميع يتابع باهتمام.

ساعة كاملة من الحكايات مرت قبل أن نجلس معها لنستعيد رحلتها من البداية، الرحلة التى تحولت إلى حدوتة يعشقها أهل المدينة الباسلة، ويعتبرها الشباب أيقونة وكتاب خاص لتاريخ مدينتهم يستزيدون منه كلما احتاجوا للمعرفة عن تاريخهم.

لم تكن السيدة العجوز تعلم أنها ستعاصر كل تلك الأحداث، بداية من تواجد اليونايين والإيطاليين مروراً بثلاثة ملوك، وبالعدوان الثلاثي والاحتلال الإنجليزى ثم تهجير أهالى بورسعيد إلى عدة محافظات، إلى فرحة النصر عام 1973م، حتى وقتنا هذا تعايشت “چيزيل” مع هذه العصور التى توالتها مصر.

ولدت السيدة على أراضلا المدينة الباسلة عام 1927م، وسط أسرة تتكون من أب وأم وثلاثة أشقاء هي أكبرهم، تعلمت بالمدارس الإيطالية وتقول: “بابا بعتنا روما فى مركب”، ثم عادت لبورسعيد لتدرس بالمدرسة الفرنسية، وفي المرحلة الإعدادية طالبت والدها بالتحويل إلى المدرسة الإنجليزية لرغبتها في عدم استكمال التعليم الفرنسى، نتيجة إعادتها للفصل وقالت: “كان في راهبة مبتحبنيش وخلتني أعيد الفصل، وبعدها طلعت الثالثة على القناة”.

حصلت “چيزيل” على شهادة التعليم الثانوي الإنجليزي وهى أكبر من الثانوية المصرية، ورفض والدها استكمال تعليمها بجامعة القاهرة: “بابا مكنش عايز البنات تخرج من بورسعيد رغم إنه متفتح جداً”، بهذه الكلمات عبرت “عازوري” بنبرة من الحزن عن ذكريات عدم استكمالها للدراسة.

“هتروحى على بيت العدل” كلمات تلخص ما قاله جان عازوري لابنته چيزيل، التى تزوجت عام 1945م، وأنجبت ابناً يعيش بمالطا حالياً، وعبرت عن رفض ووالدها لاستكمالها التعليم قائلة: “بابا كان بيحبنا جداً، ولما اتجوزت وخلفت جالى وقالى متزعليش منى إنى خليتك مكملتيش تعليم”، ليظهر على وجهها ملامح الفرح أثناء تذكرها هذا الموقف.

تذكرت هجوم فرنسا مع إسرائيل وإنجلترا إبان العدوان الثلاثيعلى مصر عام 1956م، حكت لنا “چيزيل” عن حكايات العدوان وقالت: أتى الإنجليز من جهة البحر من خلف الكبائن الخشبية على شواطئ بورسعيد، وعند دخولهم بالدبابات بدأ الضرب بالأسلحة ليقاتلون من يقابلهم، مما سبب رعباً شديداً داخل قلوبنا جميعاً.

“اللى كان بيفتح الشباك بيتضرب بالرصاص” فى وهلة من الاندهاش عبرت “چيزيل” عما كان يحدث أثناء العدوان الثلاثي بمدينة بورسعيد، وقالت “ضربوا شاب فى العمارة بتاعتنا حاول يفتح الشباك وأصابوه فى إيده”.

انقطاع الكهرباء ثم المياه وعدم تواجد خبز وطعام لعدم تواجد المياه وفرض حظر التجول داخل المدينة من قبل الجيش الإنجليزى، ذلك ما حكته “چيزيل” لـ “اليوم السابع” عن أسوأ ما حدث من العدوان، وأضافت: “الإنجليز كانوا بيذيعوا فى إذاعة أوبرس أننا ندخل شارع توفيق اللي هو شارع عرابى حاليا وعرفنا وقتها أنهم هيضربوا من جهة البحر”. ليتوقف الضرب حينها رغم استمرار العدوان فى احتلال أراضى المدينة، لتعود “چيزيل” إلى عملها من جديد وقالت: “كانوا عاملين حواجز فى الشوارع ولما نعدى يختموا على إيدينا بالتاريخ”.

انتقلت “چيزيل” مع زوجها وابنها إلى القاهرة بعد التهجير من بورسعيد، إلى مقر التوكيلات بمدينة نصر بالقاهرة، أثناء تواجد العدوان في بورسعيد، وقالت: “كنا بنروح بالقطر آخر محطة لية كانت عند جامعة الأزهر، وكنا ننزل نمشى فى الرملة لحد التوكيلات، وتعبنا جداً، وفى ناس خدت شقق من التوكيلات فى الحى السابع ومدينة نصر”، معاناة المصريين أيام الاحتلال الإنجليزى ظلت محفورة داخل ذكريات “چيزيل” حتى الآن.

وتابعت حديثها لـ “اليوم السابع” مستكملة ذكريات حرب أكتوبر 1973م: “كنت في المطبخ وقتها في منزل يطل على نادي الشمس، وجوزي نادالي قالى إن فى حاجة بتحصل في الشارع بصينا من البلكونة وشفنا الدبابات ماشية في صف”، لحظات في ذاكرة “چيزيل” لاحقها إعلان النصر في الثانية ظهر 6 أكتوبر في شهر رمضان، لتصف حالة المصريين حينها: “فرحنا جداً وقتها وكانت فرحتنا متتوصفش”.

عادت صاحبة خصل الشعر البيضاء إلى بورسعيد فى أكتوبر 1974م، برفقة أسرتها وحين تذكرها ذلك الموقف قالت “كان معانا كولمن وفطرنا فى الطريق، ومكنش فى مياه فى المدينة والكهرباء مكنتش كويسة، وتعبنا أوي لما جينا بورسعيد”.

قرابة 7 آلاف كتاب قرأته صاحبة الـ92 عاماً خلال رحلتها، ذلك ما ورثته عن والدها الذى زرع حب القراءة بداخلها، حكايات صور المجلات وكتب ناشيونال جيوغرافيك ظلت فى أذهن “چيزيل” من كثرة أحاديث والدتها عن هذه الصور والكتب، مما جعلها تتمسك بحبها للقراءة والسفر للاطلاع على الثقافات المختلفة، جميع بلدان العالم زارتها “چيزيل” ما عدا دول الشرق الأقصى.

تمثال دليسيبس الذى حطمه الفدائيون أثناء العدوان الثلاثى على مصر، وجنينة الباشا التى تحولت إلى محكمة الآن، هم المكانين المفضلين لدى “چيزيل” التى صمتت قليلاً أثناء حديثها عن هذه الأماكن لتذكرها ببعض الذكريات حينها، لتبوح لنا عن ما بداخلها وقالت “معايا صورة لقريبتي عند التمثال، والجنينة دي كنت بحبها أوي بس بقت محكمة”، كلمات أنهتها بالحزن عن تاريخ المدينة الباسلة الذى يختفى وهى تعتقد أن بهذه الأماكن بإمكان مصر جلب العديد من السياح إلى بورسعيد.

وتقول إنها ساعدها الحظ بتواجدها داخل أسرة محبة للفن والقراءة، فكانت تستمع إلى صوت والدتها وهى تتغنى بأغانى أم كلثوم والعديد من الأغانى العربية، وأضافت: “صوت ماما كان جميل جداً، وكنت بقرأ وانا بسمعها كتير، وأوقات معرفش أنام أمسك كتاب وأقراه”.

جانب من حكايات چيزيل لشباب بورسعيد
جانب من حكايات چيزيل لشباب بورسعيد

ربى شادوفا، إحدى الشابات اللاتى يذهبن لمنزل “چيزيل” ليستمعن منها لتاريخ مدينتهن، حكت لنا عن رؤيتها لـ”چيزيل” وقالت: “أرى فيها انفتاحها على ثقافات كثيرة، وحبها الشديد لبورسعيد، وتعامل والدها معها”، وعن الأشياء المختلفة التي رأتها “شادوفا” فى “چيزيل” أنها تصوم رمضان مع المسلمين وهى تابعة للكنيسة الكاثوليكية وليست الأرثوزكسية.

وقالت: “حكتلى أن والدها كان بيشغل القرأن يومياً لمدة ساعة، وقالتلنا لو كانت بتعرف تقرا وتكتب عربى كانت حفظت القرآن”، حياة مختلفة وغير تقليدية تراها “شادوفا” فى أعين “چيزيل” التى أحبت سماعها أثناء الحديث عن حكايات بورسعيد وحكايات عائلة عازوري.