بورسعيد.. من مهران إلى محفوظ!

FB_IMG_1534057019694
سكينة فؤاد

التهريب والمهربون قصة قديمة مع ميناء بورسعيد كما أغلب موانى الدنيا وإن ظل لبورسعيد ميزات فى الموقع والتاريخ والجغرافيا والمكون البشرى والمطامع الاستعمارية ما بفوق أى ميناء.. واستطاعت معظم الموانى أن تستغل وتعظم امكاناتها وتعالج مشاكلها وتتحول إلى مراكز عالمية للتجارة وتجنى منها ثروات هائلة لمصلحة اقتصادها القومى بعد أن أحكمت السيطرة على المنافذ والجمارك والقوانين الحاكمة لها.. أما نحن فلم تتوقف معاناة أبناء بورسعيد منذ عشرات السنين مع القرارات والسياسات المتضاربة والمتخبطة.. يفتحون السوق الحرة.. ويغلقونها ويضعون أنظمة مريبة للاستيراد وزحف إلى المهنة ديناصورات مال وفساد وتحالفوا مع أغنيائها الجدد.. وظلت تتراجع أحوال أبنائها الأصليين من سلالات صناع المجد والنصر ومزيج من الوطنية والمقاومة والانتماء والاعتزاز والتطبع بقيم الجمال الذى جعل المدينة تبدو كلوحة وابداع بريشة الخالق.. وفى تراثها الحضارى والمعمارى امتزج الشرق بالغرب وامتلأت برموز لمراحل وأحداث التاريخ التى مرت بها وتوجت انتصاراتها بهزيمة دول العدوان أو الاجرام الثلاثي.

نعم.. ينتصر البورسعيدية فى معارك الشرف والوطنية وينهزمون فى معارك الفساد وتوحش المال وبعد ثورتين تصورت أن الأمور بالتدرج ستصحح والمسارات ستعدل وفى مقدمتها معاناة المدينة مع قوانين السوق الحرة وما يحدث فى المنافذ والجمارك وتستفيد من دروس وتجارب النجاح التى تمت فى موانٍ بعيدة وقريبة حتى انفجرت فى وجوهنا قصة القبض على مسئول الجمارك الكبير فى بورسعيد فى رشوة ـ كما نشر بالملايين – ثم جاء الفرفور أو المهرب الصغير القادم من محافظة من أغنى محافظات مصر فى كنوزها القديمة – سوهاج ليصفع الجميع على وجوههم بما فعل الفساد بعقول أمثال هذا الولد الذى يعتقد أنه لم يرتكب بجريمة التهريب أى خطأ قياسا ـ كما يقول إلى ما يفعله من يتاجرون بالسلاح والآثار والمخدرات الذى يحس أنهم تحت الحماية ولا توضع فى ايديهم الكلابشات الحديدية، كما وضعت فى يديه فى مأساة كشفت عن اختلال القيم لدى صبى قادم من صعيد مصر حيث كانت دائما أرصدة الأمل فى هذا الشباب النقي.. وحيث لم يبدأ بعد استثمار المشروعات التى لم يتوقف إعلانها!! وفى المداخلات التليفزيونية حول الحادثة نفى بعض أصحاب المصالح فيما حدث فى بورسعيد أن يكون هناك ــ لا سمح الله ــ فساد أو تهريب فى الجمارك بينما قال الأستاذ أحمد شيحة رئيس شعبة المستوردين: إنه من الأفضل تنظيم الاستيراد لتستفيد الدولة بمليارات الجنيهات وأن هناك 43ألف حاوية دخلت بورسعيد بالتهريب وتصل قيمتها إلى 25 مليار جنيه وأن هناك ديناصورات من المهربين فى بورسعيد يعملون تحت سمع وبصر الحكومة بسبب القرارات التى اتخذتها الحكومة ضد الاستيراد والتى تسببت فى بطالة الآلاف.

انتهى الجزء الذى اقتطعته من تصريح رئيس شعبة المستوردين وأثق أن الحقائق كاملة والأرقام بدقة ستتولاها الرقابة الإدارية.. ومن وضع على موقع المحافظة قصة المهربين الصغار أراد أن يصنع بطولة زائفة على حساب طفولة بائسة اختلت قيمها فأدان نفسه وكشف عن تقصير وخطايا سياسات فشلت فى أن ترد للشعب ملياراته وتحمى اطفالا وشبابا صغيرا أن يكونوا أدوات لديناصورات المال والفساد ويعيد لبورسعيد وأبنائها الأصلاء زهو وقيم أزمنة المجد والنصر وبعد أن تزايدت شكواهم وصرخاتهم من كثير مما يحدث فى المدينة الآن!!. وأحدث الأخبار أن هناك محاولات للإيحاء بالسيطرة على المنافذ وإحكام الرقابة ولكن القضايا التى أثارتها قصة المهربين الصغار أكبر وأخطر من معالجات شكلية عاجلة ثم كالمعتاد تعود ربما لعاداتها القديمة.

السؤال الذى يفرض نفسه هنا.. كيف ينظم ويحكم ويدار بالقانون هذا المصدر الذى يستطيع أن يكون مصدرا عظيما للدخل القومى بدلا من أن يذهب لديناصورات فساد وينضم إلى عشرات المصادر التى أشرت فى مقالات سابقة إلى الكثير منها، من المهدر أو المضيع والمنهوب منها.. علاوة على ما لا يقل خطورة.. هل هناك دراسات جادة فى جميع محافظاتنا لأحوال الأجيال الصغيرة أم سنظل ننتظر أن تنفجر فى وجوهنا كل يوم مأساة تكشف التقصير الذى ارتكب بحقهم وأنهم إن لم يخطفهم التطرف والخرف العقلى يختطفهم الخلل الذى أصاب قيمنا ومبادئنا ولم نحطهم بما يخفف أحوالهم الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والثقافية وتركنا الصلة تنقطع بينهم وبين تاريخهم.. فماذا يعرف محفوظ دياب القادم من محافظة من أعظم محافظات التاريخ القديم عن هذا التاريخ وعن تاريخ محافظة بورسعيد وبطلها المناضل أطال الله فى عمره، محمد مهران الذى فى نفس العمر تقريبا كان فى عدوان 1956 يقود فرقة من فرق المقاومة الشعبية العشر ولم تستطع قوات العدوان الإنجليزى بعد أن أسقط منهم مع شباب فرقته كل من حاولوا التسلل إلى المدينة من منطقة الجميل.. لم يستطيعوا القبض عليه إلا بعد أن نفدت ذخيرته وساوموه بين أن يدلى بكل ما لديه من معلومات عن المقاومة الشعبية أو يحرموه من البصر بنقل القرنية من عينيه إلى عينى أحد ضباطهم المصابين.. فلعنهم ورفض أى مساومة وضحى راضيا ببصره من أجل بلاده وظل يمثل رمزا من أعظم رموز المقاومة والانتصار والتضحية من أبناء بورسعيد ومصر كلها، التى كانت هذه قيمها ومبادئها قبل أن يتسرطن المال والفساد ويحاول اغتيال ما حفظه لمصر أخطر أسرار قوتها وانتصارها على كل ما مر بها من تحديات وأخطار عبر تاريخها العميق والبعيد وهو الإنسان, سلام على مهران وعلى سلالته من مقاومين ومقاتلين عظام, أحدث نموذج لهم أبناؤنا المحاربون فى سيناء الآن, وحصنوا الأجيال الجديدة إلى جانب استحقاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية والثقافية باقتراب من تاريخهم وحرب لا هوادة فيها مع النماذج المتجددة للفسده وتوحش نفوذ المال.