هالة فاروق تكتب : بورسعيد.. منظور جديد

nkkk67

جذب انتباهي منذ بداية شهررمضان هذا العام مسلسل ليالي أوجيني، ربما استجابة لحلمي الدائم في الحياة بتلك الأجواء الكلاسيكية، لن أناقش أحداثه التي تدور في حقبة الأربعينات – المقتبسة من أصول أسبانية حسبما صرح فريق العمل – ولن أتحدث عن اختيار فريق التمثيل الموفق جدا، والديكورات والمكياج والملابس والاكسسوارات المناسبة والمتوافقة تماما مع تلك الفترة الزمنية.

ما يهمني هنا هو اختيار المكان الذي تدور فيه أحداث المسلسل، بورفؤاد، تلك المدينة الهادئة التي تتبع محافظة بورسعيد، مدينة مكونة من بيوت منظمة ذات طراز فرنسي واضح، ميادين واسعة، شوارع هادئة وأشجار علي الجانبين.

وقد جعلني المسلسل أبحث عن تاريخ هذه المدينة الجميلة، لأعرف أنها فكرة بدأ تنفيذها عام 1920 لإنشاء حي مخصص للأجانب العاملين بشركة قناة السويس، وتم افتتاحه عام 1926بحضور الملك فؤاد، ثم تحول الحي إلي مدينة عام 2010 بقرار من رئيس الوزراء.

وبالاستفسار عن شكلها الحالي تبين أنها مازالت تحتفظ إلي حد ما بالفيلات والمباني التراثية بطرازها المعماري المميز، وتحارب ضد محاولات القضاء علي تراثها، وتقاوم بشدة سطوة المال وبريقه وطمع شركات المقاولات لهدمها وتحويلها إلي أبراج قبيحة تزيد من أرباحها المادية وتدمر طابع المدينة وخصوصيتها!!

ولست أدري هل لدي محافظة بورسعيد ما يسمي بمجلد التراث ‘السجل الشامل لكل المباني ذات الطراز المعماري المميز بالمحافظة’ كالموجود بمحافظة الاسكندرية، والذي يدافع عن الثروة العقارية التراثية ويمنع محاولات تشويه النسق العمراني، ويضمن الحفاظ علي تلك المباني التاريخية ويتصدي لمحاولات هدمها؟!

إن كل مدن العالم تسعي للحفاظ علي كنوزها التراثية التي لا يمكن تعويضها، وتهتم بصيانتها واستغلاها سياحيا أيضا، فلماذا يسعي البعض في مصر لتشويه كل ما هو جميل ومميز؟!

لقد تحدثت في مقال سابق عن التجربة التركية وكيفية توظيف الدراما واستغلالها كوسيلة دعاية سياحية مما جعل تركيا تتصدر مركزا متقدما في مصاف الدول الجاذبة للسياحة، وذلك بحرصها علي اظهار جمال شوارعها ومبانيها والمناظر الطبيعية الخلابة، وكل ما يجعل المشاهد متشوقا لزيارتها، وقدرتها علي أن تصنع من كل مكان فيها واجهة سياحية مثلما نجحت في تحويل القصور التي شهدت تصوير أحداث مسلسلاتها الشهيرة إلي مزارات سياحية يقصدها السياح العرب من كل مكان، وخلقت من مشهد الجلوس أمام شاطئ البوسفور والتمتع بمذاق ‘ساندويتش’ مع كوب من الشاي في مكان بسيط حلما لملايين المشاهدين، فالدراما التركية تروج للسياحة بطريقة ذكية غير مباشرة، إنها حقا القوة الناعمة التي تتسلل إلي عقل وقلب المشاهد لتؤثر علي أفكاره ومشاعره.

وقد طالبت في ذات المقال صناع الدراما في مصر بالسير علي هذا النهج بدلا من اظهار العشوائيات بدعوي الواقعية.

ولعل رد فعل المشاهدين بعد عرض مسلسل جراند اوتيل – منذ عامين تقريبا – وما حدث من رواج سياحي بأسوان مع الاقبال علي الاقامة بنفس الفندق الذي صورت فيه مشاهد المسلسل هو خير مثال علي التأثير الايجابي للدراما الراقية.

ولقد جاء مسلسل ليالي أوجيني ليسير علي نفس الدرب ويحقق أثرا وجدانيا كبيرا ويوقظ الاهتمام والرغبة لدي مشاهديه في زيارة تلك المدينة الساكنة علي ضفاف القناة.

وبالرغم من الدور الذي لعبته بورسعيد في تاريخ مصر، وعشرات الأفلام والمسلسلات الجادة التي تناولت حكايات المدينة الباسلة الصامدة وبطولات أهاليها، إلا أن ذلك لم ينقذها من دواعي المبالغة السخيفة للدراما، وتعمد ابراز اللكنة البورسعيدية بطريقة ساخرة في بعض الأعمال الكوميدية المبتذلة، لكن أوجيني اعتمد علي تقديم صورة مختلفة تماما عما هو معتاد، بعيدا عن ‘أبو العربي’ و’فهلوة’ التجار وأسلوب ‘التطجين’، وقدم بورفؤاد كمدينة من أجمل مدن بورسعيد، بمنازلها الباريسية ذات البلكونات الخشبية والواجهات المعمارية المميزة، ورقي سكانها علي اختلاف الطبقات الاجتماعية، مما جعل المشاهد متطلعا لزيارتها، لعله يتناول القهوة والحلوي بمحل ‘صوفيا’ قبل الذهاب إلي عمله، ويسير الهويني علي كورنيش المدينة، أو يركب الحنطور، وربما يصادف ‘الدكتور فريد’ ويدعوه لتوصيله ب ‘الأوتومبيل’، وقد يقابل ‘كريمة’ أثناء نزهتها اليومية الآمنة مع الصغيرة في الحديقة للاستمتاع بالشمس الدافئة والهواء النقي، ثم يلتقي أصحابه ليلا في ملهي أوجيني!!

هذا هو تأثير الفن حينما يقدم عملا راقيا ممتعا محترما.