​​لواء دكتور/ سمير فرج يكتب … عندما اغتالوا أحلامي في بورسعيد

FB_IMG_1521096103212

​​لواء دكتور/ سمير فرج

انطلقت بنا السيارة من القاهرة إلى بورسعيد، يستقلها أعضاء الحملة الشعبية “أنت الأمل”، لتأييد ترشح السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، لفترة رئاسية ثانية. وعلى مشارف بورسعيد، وتحديداً عند رأس العش، فتحت نافذة سيارتي، لأملأ صدري بهواء مدينتي الحبيبة … إنها عادة تربيت عليها منذ عشرات السنين، عند العودة إلى بورسعيد في إجازة نهاية الأسبوع، فكنا نستنشق هواءها، الذي نعتبره أجمل رائحة في الوجود، بينما يردد جميع ركاب الأتوبيس دعاءهم التقليدي “يجعلك عمار يا بورسعيد” … وبالرغم من أنني كنت وحدي بالسيارة إلا أنني رددت دعائي لها من قلبي، “يجعلك عمار يا بورسعيد”.

دخلت إلى المدينة، التي صار زحامها كثيفاً، ووصلت لأحد الفنادق المطلة على البحر، ووقفت أمام النافذة لأرى أجمل المناظر، التي لا يتسنى لأحد رؤيتها إلا في بورسعيد الحبيبة … وقفت لأرى المثلث الذي يفصل بين قارتي أفريقيا وآسيا، أمام شواطئ بورسعيد … إلا أن المنظر المقابل على الشاطئ صدمني بشدة!!! لقد تحول الشاطئ الجميل الذي قضينا عليه أجمل أيام حياتنا إلى نادٍ كبير، بعد أن استحوذ على شواطئ جميع الفنادق والقرى السياحية الموجودة في تلك المنطقة.

أغمضت عيني قليلاً لأتذكر ما كان في تلك المنطقة … تذكرت الكبائن الخشبية الجميلة للمصطافين، والرمال المفتوحة، التي كانت ملعباً لكرة المضرب، وكرة القدم، لأطفال بورسعيد، ولزائريها، والتي كانت تتحول ليلاً إلى سهرات السمسمية، التي يتجمع حولها جميع أهالي بورسعيد وزوارها من المصطافين في الصيف، وكان حرم الشاطئ هو شارع الكورنيش، لكن المنظر الآن مخيف!

والله حرام!!! أين التخطيط؟؟ أين الفكر؟؟ لا مانع من تنفيذ كل تلك الإنشاءات، ولكن كان من الممكن تنفيذها على امتداد نفس الشاطئ، في منطقة الجميل، في اتجاه دمياط، لو تم تنفيذها في ذلك الاتجاه، لكانت فائدتها عظمى، من حيث تعمير المدينة، وزيادة الاستثمارات في اتجاهات جديدة، بما لها من آثار تنموية كبيرة. أما بناء كل هذه الغابات الأسمنتية على الشاطئ، فهو مخالف لأي تخطيط سليم … لقد اختفى الشاطئ تماماً، اللهم من صفيين من الشماسي.

وفي اتجاه مبنى المحافظة، اعتدنا أن نرى الكبائن الصغيرة، وقد اصطفت، في منظر حضاري، على الشاطئ، وكانت الكابينة رقم (1)، مقراً صيفياً، لعدة أعوام، للرئيس الراحل محمد أنور السادات، إبان رئاسته لمجلس الشعب. أما اليوم، فقد أزيلت تماماً، وحل محلها البنايات الأسمنتية، وأصبح شاطئ بورسعيد عبارة عن محلات متراصة لبيع الملابس.

ووصلت إلى مسرح بورسعيد، الذي يعد مسرحاً ثقافياً رائعاً، تستحقه مدينة بورسعيد. وللعلم بورسعيد في الستينات كان بها أكبر عدد دور سينما في جمهورية مصر العربية، حتى أكثر من القاهرة … ولم يتبق منهم إلا هذا المسرح، بعدما تم هدم الباقي منهم، وتحويلهم إلى مبان ومحلات لبيع بضائع المنطقة الحرة.

امتلأ المسرح على آخره بشعب بورسعيد، للاحتفاء بالوزراء أسامة هيكل، ومحمد العرابي، والترحيب بضيوفهم، والرائعة الدكتورة لميس جابر، والفنان أحمد بدير، الذين تحدثوا جميعاً عن ضرورة المشاركة في الانتخابات، وأهمية المحافظة على الحقوق الدستورية. ووقفت إحدى سيدات المدينة، لتؤكد على وطنية شعب بورسعيد، الذي تجري البطولات في عروقه، مجرى الدم. وحانت الفقرة الفنية لفرقة الموسيقي العربية بدار الأوبرا، والتي تفاعل معها أهالي بورسعيد بحماس، وعلا هتافهم باسم مصر، خاصة وأن المخرجة جيهان مرسي، قد أعطتهم جرعة فنية من أغاني الستينات الوطنية.

انتهى اللقاء الجماهيري، وتوجهت للقاء أصدقاء الطفولة، من بورسعيد الثانوية، أسامة المغربل، ومحمد فايد، ومؤرخ بورسعيد ضياء، الذي أهداني كنز عظيم من الصور الفوتغرافية لوالدتي، أثناء المقاومة الشعبية في حرب 1956. وعدت من بورسعيد في صباح اليوم التالي، رغم إلحاح أصدقاء العمر على تناول وجبة سمك، على الطريقة البورسعيدية. وبالرغم من فرحتي باللقاء الجماهيري الذي انعقد في بورسعيد، إلا أنني تركتها والحزن يعتصرني، بعدما شعرت أنهم اغتالوا أحلامي في مدينة بورسعيد!

وفي طريق عودتي إلى القاهرة، تذكرت لقائي مع الوزير النشط، أبو بكر الجندي، الذي يحمل حقيبة وزارة التنمية المحلية، الذي تحدثنا فيه، لساعات طويلة، حول تطوير التنمية المحلية في محافظات مصر، واتفقت آراءنا حول ضرورة أن يكون لكل محافظة “خطة تنمية شاملة” “Development Master Plan”، للخمسة وعشرون سنة القادمة، والتي أعتبرها سبب نجاحي في محافظة الأقصر … وهي مبادئ ما تعلمته عند دراستي في دبلومة إدارة الاعمال في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد نقلت لسيادته تجربتي مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في مصر (UNDP)، الذي قام بعمل دراسات تنمية شاملة لمحافظات مصر، وظلت حبيسة أدراج المسئولين، بالرغم من أنها كانت نقطة البداية لي في الأقصر، والتي أسست عليها خطة التنمية الشاملة للمحافظة، ونفذت الكثير منها بالفعل. أتمنى من اللواء أبو بكر الجندي أن يتم في عهده تصميم خطة تنمية شاملة لكل محافظة، مثلما فعلت مصر عندما وضعت خطة 2030، لتكون المسار العلمي الذي تسير عليه الدولة المصرية لتطوير الأداء، والوصول إلى الأهداف، بنهاية الخطة.

Email: sfarag.media@outlook.com