عبد الحليم محمود يكتب:قناة أبو ظبي ..رسالة للإعلاميين.. وقبلة على جبين بورسعيد

58

قال المفكر الفرنسي جوستاف لوبون: إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون حلم أو وهم .. أما مارتن لوثر كنج فقد اختصر الفكرة في كلمتين : لدي حلم i have a dream ، وذلك على نصب لنكولن التذكاري في تعبيره عن رؤيته للمستقبل .

وحين تتبلور الحياة في مشاهد وتفاصيل تملؤها الحيرة يكون الإنسان في حاجة للحلم …فالحلم فكرة والفكرة جمال قادر على اختراق كل الأشياء وفي عالم الأفكار والجمال لا شيء يعلو فوق صوت الإعلام الذي تقاس قيمته بتأثيره في الداخل والخارج بنفوذ المقبول طوعًا لا المفروض قسرًا.

والإعلام الذي يقود الرأي العام وينبهه إلى الحقائق هو في ذات اللحظة إشارة مرور خضراء تشير إلى الإمام وإلى المستقبل .. والاعلام الملهم له حسه المميز فصوته حقيقة وعقله فكرة وقلبه خبر وروحه حرية .. هو ليس قوة غاشمة تسيطر بل قوة ناعمة اخترقت جدار برلين قبل سقوطه بسنوات فتحققت وحدة ألمانيا .. هو الإلهام الذي وضع حجر الأساس لبناء السد العالي عندما تراجعت القوى الكبرى عن المساعدة بخطاب لم يخاطب حاجات لا تشبع بل ناشد الرغبة في تحقيق الحلم .. فما الإعلام إن لم يساعد على الأحلام !

وبرغم الفضائيات التي لا حصر لها ما زالنا نتذكر مفكرين وأدباء كانوا فخرًا لإعلام المحروسة التي يتدفق قلبها نحو الحزن ..فالشعراوي بخواطره ومصطفي محمود بعلمه وإيمانه وهيكل بتشريحه السياسي وشوشه بلغته الجميلة أين هم؟ وأين ذهبوا ؟ وقد تاهت المعاني وسط الزحام بين الرأي والرأي الآخر أو بين الحقد والحقد الآخر…وليس هناك ما هو أكثر بعثًا على الكآبة من فضائيات تطل على الدنيا وهي لا تعرف الدنيا ! وبرضائها هبطت إلى كهف أفلاطون !فلماذا!؟ أليس الإعلام كلمة تُهيأ لتكون عصفورًا!

لكن الأحلام تبقي ببقاء العباقرة وفي طليعتهم تأتي قناة أبو ظبي الفضائية التي بحثت عن الكنز الضائع ..عن الإنسان في مدينة بورسعيد بفيلم تسجيلي في محاولة لاستشراف المستقبل بالعودة لماضي إنسان ثقلت أحلامه في إعلام الوطن في رسالة تقول:” كفى فلم يعد في الوردة متسع لأشواك”.

افتُتح الفيلم بكلمات الشاعر إسماعيل الحبروك ” أمانة عليك أمانة يا مسافر بور سعيد أمانة عليك أمانة لتبوسلي كل إيد حاربت في بور سعيد ” فبورسعيد لازالت تستحق ولا زالت كل يد فيها تستحق قبلة هذا فقط لمن يعلمون لمن ذاكروا التاريخ جيدا لمن عرفوا ماذا قدمت بورسعيد ؟ ثق في الحب وفي الأرض وفي البحر وثق أكثر فيمن حارب عنك فيمن قرر أن يفديك بالروح ولتمنح ثقتك قبل الأشياء للإنسان ,فبورسعيد زرقاء الموجة بيضاء الجدران علي شواطئها تتنسم رائحه العزة والكرامة ويفوح من ترابها عطر الملاحم والبطولات لا شيء في مصر يشبه بورسعيد وإن كانت من مصر أيقونة الحرب المنتصرة دائما ، هنا لا تستطيع أن تعد المراكب فالشمس دائما قريبة والغيمة بعيدة بورسعيد لوحة ممتدة عبر الزمان وعبر المكان هنا بإمكانك أن تطوي الأزقة في مدينة لا يكفي ألف كتاب لوصفها.

أينما تول بصرك فستجد ما يأسرك في القناة وشارع الحميدي والمقاهي والحارات وصيادي السمك والباعة الجائلين والفنار القديم وبيت الأسطول ومسلة الشهداء , وقد تصادف وأنت تمشي من شبّوا هناك أو أقاموا فيها أو رحلوا لا زالوا يسكنون المدينة فبورسعيد لا تتخلى عن ساكنيها .

هنا مسرح الأحداث التي شكلت عبر عقود صفحات من تاريخ مصر ومن إبائها ومن الصمود هنا تاريخ كفاح برمون والفرما وقرية الصيادين التي باتت مدينة تباهي بتاريخها ،فكانت المدينة كلها على الجبهة تزود عن وطنها وتسطر ملحمة الوفاء ، ولا يزال مشهد المظليين الأجانب أثناء العدوان الثلاثي على مصر يجسده سقوط أوراق الشجر في حدائق الفردوس حيث الأعداء يتساقطون كالجراد المحترق و يحصدهم أبطال المقاومة الشعبية في المدينة الباسلة ، لايزال صوت نزار يدوي “مات الجراد, أبتاه ماتت كل أسراب الجراد, لم تبق سيدة ولا طفل ولا شيخ قعيد, إلا وشارك يا أبي ,في حرق أسراب الجراد, في سحقه في ذبحه حتي الوريد ,هذه الرسالة يا أبي من بور سعيد ,من حيث تمتزج البطولة بالجراح وبالحديد ,من مصنع الأبطال أكتب يا أبي, من بور سعيد”.