درس بورسعيد.. إلى ترامب والصهاينة …بقلم/ سكينة فؤاد

images(4)
◀ سكينة فؤاد

أمس كان 23 ديسمبر يوم غادرت قبل 61 عاما آخر السفن البريطانية التى شاركت فى العدوان الثلاثي. غادرت أو فرت من المقاومة الباسلة لأبناء المدينة وخرجت من مينائها فى الخامسة إلا الربع مساء وبعد أن أثبتت المقاومة استحالة تحقيق أهداف الغزو من إعادة الاستيلاء على قناة السويس واحتلال مصر.

تحية إكبار وإعزاز للشهداء والأبطال ـ الأحياء عند ربهم والأحياء بيننا وأرجو أن يكون قد تم بالأمس احتفال يليق ببطولات وتضحيات المدينة وأبنائها وأن يكون جوهر الاحتفال حل مشكلاتهم وتخفيف أزماتهم وفى مقدمتها البطالة وإيقاف تعاظم وتضخم نفوذ رموز الماضى والقوى المالية وتراجع قيمها الحضارية والثقافية والتى تم بالفعل القضاء على الكثير منها واستكمال مشروع الرئيس لإنقاذ ما تبقى من بحيرة المنزلة وأن تكون لأبناء بورسعيد الأولوية فى فرص العمل فى المشروعات الجديدة بالمدينة وشرق قناة السويس وأن تعود للمدينة مكانتها التى كانت لها دائما بين محافظاتنا فى مستويات التعليم والثقافة والبيئة والصحة ودخول المواطنين وغيرها من معارك الجودة والتميز والتقدم التى كانت عليها المدينة وأبناؤها دائما ـ هذه هى المعارك الحقيقية التى تستحق العمل عليها وليس تغيير ما تبقى صامدا من المعالم التاريخية للمدينة خاصة ما يتعلق بأبطال وشهداء 1956 والتوقف عن إثارة مشكلات قديمة لا لزوم لإثارتها الآن مثل أين يوضع تمثال ديليسبس الذى لا أرى مكانا له أفضل من متحف بورسعيد أما مدخل القناة فيجب أن يوضع فيه تمثال يرمز لمن حفروها من عمال وفلاحين والذين سالت دماؤهم فيها قبل أن يجرى الماء.

تمنيت أن ألبى دعوات كثيرة جاءتنى من بورسعيدية وبورسعيديات لأحتفل معهم بعيد النصر وللأسف لم تسعفنى العافية لألبى أشواق الروح إلى بورسعيد ومنعنى ألم أعظم أننى لم أعد أذهب للمدينة الجميلة الوادعة التى ولدت على شاطئ بحرها وكانت تبدو لى دائما أن الخالق عز وجل أبدع رسمها وأهداها من ألوان زرقة البحر وخضرة الحدائق والأشجار التى تملؤها مما لابد أن يملأ الأرواح بالأمان والسكينة والجمال فى نفس الوقت الذى أعطى تاريخ نضالها لأهلها هذا المزيج من الكرامة والاعتزاز والوطنية والانتماء بالتدريج بدأت تتغير أشياء كثيرة وتتراجع قيم ومقومات كثيرة وتهدر وتهدم معالم أصيلة.. جاءها من يبدو أنهم كان بينهم وبين الجمال والخضرة والتاريخ عداوة.. للأسف لم تكن هناك قوانين تضع قواعد وحدودًا لتغيير معالم المدن والمحافظات.. للأسف تغيرت وتراجعت أشياء كثيرة فى بورسعيد ـ ليس هنا مجال الاستفاضة فيها فى ذكرى الاحتفال بالنصر الذى حققه أبناء بورسعيد الذى يفرض طرح سؤال مهم: هل تذكرنا أن نحتفل به وعلى وجه التحديد فى جامعاتنا ومدارسنا بين الأجيال الشابة والصغيرة؟ ماذا يعرفون عن أبطال 1956.. أم مثل جميع أعيادنا ومناسباتنا الوطنية نسينا أو أقمنا احتفالات عابرة وشكلية؟!!أعيد الدعوة لإعلام جاد وللمؤسسات الشبابية الثقافية لمسابقات حول ما يعرفه أولادنا عن تاريخهم القديم والحديث فى إطار تسابق وجوائز على أرفع مستوي.. وهل بعد مخططات ضياع اللغة والتاريخ ننتظر أن نجد انتماء أو غضبا للأرض والكرامة وتضحيات بالدماء والحياة وقدرة على هزيمة القوات البرية والبحرية والجوية لثلاثة جيوش كما فعل أبناء بورسعيد 1956؟!

أفيقوا يرحمكم الله.. ضياع وسرقة الأوطان يدعمان بضياع اللغة والتاريخ.

يأتى عيد النصر هذا العام والمنطقة ومصر فى القلب منها تعيش أحداثا من أخطر أو ربما هى أخطر ما عاشت والمخططات الاستعمارية الأمريكية والصهيونية تصل إلى ذروتها وتنكشف أهدافها التى بدأت الإعداد لها فى معركة 1956 عندما قررت الإدارات الأمريكية المتعاقبة أن تكون الوريث للامبراطوريات الاستعمارية القديمة فجاءت ترتدى أقنعة الهجوم ورفض العدوان الثلاثى ومسوح البراءة والدفاع عن مصر ومتتاليات الميراث المسموم للمنطقة الذى توهم بالأمس القريب أنه جرف ودمر المنطقة وأنه آن أوان تسوية نهائية لا يملكها للقضية الفلسطينية بإعلان القدس عاصمة للكيان الاستيطانى والاستعمارى ونقل سفارتهم إلى القدس وإنهاء حق الفلسطينيين فى دولة ذات سيادة فوق الأراضى التى احتلت 1967 وعاصمتها القدس الشرقية!! الفوضى والعنف الخلاق وتكوين وتسليح الجماعات الإرهابية وواحدة منها جماعة الإخوان لم تكن إلا أدوات للمخطط الشيطاني.وإسرائيل تلعب دور مخلب القط للقوات الغازية 1956 وتتحرك لمهاجمة الحدود المصرية جنوب الكونتلا لإبعاد القوات المصرية عن قناة السويس قام الرئيس الأمريكى إيزنهاور بإبلاغ الرئيس جمال عبدالناصر بأن إسرائيل تعبئ قوات ضخمة ويناشد مصر ألا تتخذ اجراء يعجل بنشوب حرب!! ويوجه لـ بن جوريون رئيس وزراء الكيان الصهيونى رسالة لإيقاف تعبئة قواتهم واتخاذ خطوات تهدد السلام فى المنطقة!!

وتوالى انكشاف وقائع مؤامرة القرن أو جريمة القرن لإعادة تقسيم وتسوية المنطقة وتحقيق ما لم يستطيعوه من قبل وبآليات جديدة فى مقدمتها زراعة الجماعات الإرهابية وإمدادها بالمال والسلاح خاصة فى سيناء بأوهام جعلها حلا نهائيا للدولة الفلسطينية بعد أن أطاحت الإدارة الأمريكية بالقوانين والقرارات الدولية ومارست بلطجة سياسية غير مسبوقة فى التاريخ ووصلت الأمور إلى تهديد المجتمع الدولى وكل من يعترض فيه على قرارها أمام الأمم المتحدة ومنع المعونات التى تستولى عليها من أسلحة وتدريب وجزاء.

درس أبناء بورسعيد وانتصارهم على ثلاثة جيوش باغية وغازية يقول أن نهايات القوى العظمي. ومهما بلغت من عوامل قوة تكون عندما تصل إلى درجات من التحدى والغرور واللا مبالاة بردود الفعل تعميها عن رؤية الحقائق حولها.. وهو ما فعله أبناء بورسعيد بإمبراطوريات الاستعمار القديم التى لا تغرب عنها الشمس وجعلت الأسد البريطانى يرقد هزيلا وجريحا.. أيضا الرئيس الأمريكى بغروره وجهله العظيم ـ أحيا الموات الذى كان قد أصاب القضية الفلسطينية وجمع العالم حول تأييد حقوق الشعب الفلسطينى ورفض الدول والشعوب لما يمكن أن تتعرض له إذا تركت الإدارة الأمريكية تتمادى فى انتهاك ودهس القوانين الدولية وتهديد من لا يستسلمون لانتهاكها القانون ومنع المعونات التى يستولون عليها قبل أن يدفعوها!!

سلام على أبطالنا وشهدائنا من أبناء مدينة بورسعيد الذين أرجو أن نكون قد استطعنا أن نحتفى بهم على قدر ما ضحوا وقدموا لبلدهم عبر حلقات التاريخ المتوالية وما تحملوا من أجلها ظروفًا اقتصادية واجتماعية وإنسانية بالغة الصعوبة.. وسلام على أبطالنا وشهدائنا فى جميع حلقات المقاومة والنضال وصولا إلى شهدائنا بالأمس فى العريش حائط الصد العظيم لجريمة أو مؤامرة القرن الأمريكية الصهيونية.. على أرضنا.. وفى فلسطين وفى قلب الأمة كلها.

فى النهاية.. أرجو أن يستوعب ترامب والصهاينة الدرس الذى أعطته مدينة صغيرة جميلة اسمها بورسعيد للقوات البرية والبحرية والجوية لثلاثة جيوش.