بورســـــعيد …بقلم د. سمير فرج

t53yttre
◀ د. سمير فرج

بورسعيد … مدينتى … قضيت فيها أجمل أيام حياتى … أيام الطفولة، التى كونت جميع جوانب شخصيتى … الاجتماعية، والثقافية، والعلمية. كانت بورسعيد مهداً للجاليات الأجنبية فى مصر، تجمع على أرضها اليونانيون، والإيطاليون، والإنجليز، وغيرهم من الأوروبيين، وكان الحى الأفرنجى هو مستقرهم، بين عدد من العائلات المصرية، من ضمنهم عائلتي. اختلفت الديانات، الموجودة على أرض بورسعيد، ولكن جمعهم السلام، فى هذه المدينة، ذات الطراز المعمارى الفريد، خاصة فى بورفؤاد، الذى كان يضاهى أرقى أحياء العاصمة الفرنسية باريس. عشنا، جميعاً، فى بورسعيد، كأسرة واحدة … ذات ثقافات متعددة.

جاءت ثورة 23 يوليو 1952، وكنت طفلاً صغيراً، آنذاك، لم أع كثيراً من أحداثها، ولكننى استشعرت روحاً جديدة تدب فى بورسعيد … رأيت والدى يرفع صورة الملك فاروق من فوق مدفأة الشتاء، ويستبدلها بصورة الرئيس عبد الناصر … وشاهدت، كغيرى من الأطفال، قوافل الثورة تجوب الحدائق العامة، لتعرض أفلام الثورة … كيف تخلصنا من الملك … قانون الإصلاح الزراعى … وغير ذلك.

عاصرت الجاليات الأجنبية، تلك الأحداث، دونما تأثير على نمط حياتهم الطبيعية، فمازالت عطلات نهاية الأسبوع تعج بالحفلات الراقصة فى «كازينو بالاس»، وفى «كازينو الجزيرة»، فى وسط البحر المتوسط، على شاطئ بورسعيد، حتى صدر قرار الرئيس عبدالناصر، بتأميم قناة السويس، فسادت الغيوم حياتهم، وبدا عليهم القلق … وبدأنا، لأول مرة، نسمع قصصاً عن رغبتهم فى الرحيل عن مصر، وكان اليهود هم رواد هذه النزعة، حتى بين المصريين منهم، للأسف … وبدأ بالفعل تنظيم تحركهم نحو فلسطين. وازدادت الأجواء توتراً، فى بورسعيد، بانسحاب المرشدين الفرنسيين والإنجليز، من قناة السويس، بهدف عرقلة الملاحة فيها، وبالتالى إحراج الإدارة المصرية، وإظهارها عاجزة عن إدارتها، لولا اتحاد المرشدين اليونانيين مع نظرائهم المصريين، والعمل ليلاً ونهاراً، حتى انتظام الملاحة فى قناة السويس … وبدا، لأول مرة، التباعد بين المصريين والأجانب، الموجودين فى بورسعيد!

واشتعل الموقف، يوم 29 أكتوبر 1956، ببدء هجوم القوات البريطانية والفرنسية على مدينتى الجميلة … ذلك الهجوم الذى توقعته الإدارة المصرية، قبل بدئه بيومين، فوزعت الحكومة، على أبناء بورسعيد، أسلحة خفيفة، للدفاع عن النفس والتصدى للهجوم … كانت الأسلحة عبارة عن بنادق نصف آلية، من صفقة الأسلحة التشيكية التى كانت قد عقدتها مصر من قبل.

بدأ الهجوم، صباح يوم 29 أكتوبر، بهبوط المظلات البريطانية فى مطار الجميل، بهدف تكوين نقطة إنزال للقوات البريطانية على شاطئ بورسعيد … فاندفع أهالى المدينة، حاملين بنادقهم نصف الآلية، نحو المطار، ونجحوا فى القضاء على الموجة الأولى من المظلات البريطانية … وانتاب الحماس أهالى بورسعيد، إلا أن القوات البريطانية والفرنسية، بدأت فى قصف المدينة بلا هوادة، مستخدمة البوارج والمدمرات والطائرات … بينما الإذاعة البريطانية BBC، تذيع تحذيراتها لأبناء المدينة بالابتعاد عن مناطق القصف، واللجوء إلى المخابئ.

استمر القصف ثلاثة أيام متواصلة، نزلت خلالهما الدبابات البرمائية على شاطئ بورسعيد، بعدما تم تدمير المدفعية المصرية الساحلية، والمضادة للطائرات، وأصبحت الساحة مفتوحة أمام القوات الغازية … ثلاثة أيام قصفا بالأسحلة الثقيلة، وأبناء بورسعيد مستبسلون ببنادقهم نصف الآلية، بينما الطائرات البريطانية تقصف براميل النابلم على أى بناية يشتبه بوجود أفراد المقاومة الشعبية بها!

مكثنا فى المخبأ حتى يوم 2 نوفمبر 1956، ومعنا ثلاث وعشرون أسرة أخري، من سكان بنايتنا، كلهم من الأجانب، عندما أعلنت القوات البريطانية، عبر إذاعة BBC، احتلال مدينة بورسعيد بالكامل، مهيبة بأفراد الشعب الاستسلام وإلقاء أسلحتهم.

كان الدخان لايزال يتصاعد فى كل ركن من مدينتى الجميلة، جراء حرق المنازل … وأصوات الأعيرة النارية مازالت تتطاير هنا وهناك، عندما أخذنى والدي، للاطمئنان على جدتي، فى منزلها بشارع الثلاثينى … وبينما نحن فى طريقنا، رأينا على كل ناصية، ما لا يقل عن أربعة أو خمسة شهداء، ما بين أفراد الجيش وأفراد المقاومة الشعبية … دماؤهم مازالت تسيل، وأيديهم مازالت قابضة على سلاحها … فأمرنى والدى بالإسراع إلى المنزل، وإحضار جميع الأغطية والملايات والمفارش، لتغطية الشهداء، حتى وصلنا إلى منزل جدتي، ووجدناها بخير والحمد لله … فأقسمت فى هذا اليوم، وعاهدت الله، أن أكون ضابطاً فى صفوف قواتنا المسلحة، لأحمى مصر، وأحمى بورسعيد، ضد أى خطر يهدد أمنها وسلامتها.

استمر احتلال بورسعيد، حتى يوم 23 ديسمبر من نفس العام، 1956، قبل أن تجلى القوات البريطانية والفرنسية أراضيها، بعد تلقيها العديد من الضربات الموجعة، وبعدما كبدتها المقاومة الشعبية الكثير من الخسائر، منها عملية اختطاف الضابط «أنتونى مورهاوس» ابن عم الملكة إليزابيث، والذى توفى فى المقر الذى خبأه فيه الفدائيون، جراء الحصار الذى فرضه الغزاة، على معظم مبانى بورسعيد. كما نفذت المقاومة الشعبية عملية اغتيال رئيس المخابرات الإنجليزية فى بورسعيد «جون وليامز»، الذى كان يعيش فى المدينة، ويتحدث العربية مثل أهلها.

وأصبح يوم 23 ديسمبر، عيداً للنصر، تحتفل به مصر والعالم العربى بأسره، قبل أن يقتصر الاحتفال به على المدارس فقط … وشيئاً فشيئاً اختفى هذا اليوم من تقويم الأعياد المصرية، واختفت معالم هذه الحرب الشعبية العظيمة التى خاضها الجيش المصري، بجانب أفراد المقاومة الشعبية من أبناء بورسعيد، ضد جيوش الإمبراطورية البريطانية … ولم يتبق من ذكراها سوى أغنية الفنانة الراحلة شادية، «أمانة عليك أمانة … يا مسافر بورسعيد»!.