في ذكرى “العدوان الثلاثي”.. “بورسعيد” قصة مدينة هزمت جيوش الاستعمار وقلمت أظافر الأسد العجوز|صور


كمال مراد

عندما وقف الزعيم الراحل، جمال عبدالناصر، في ميدان المنشية، وسط حشد جماهيري كبير، ليعلن تأميم قناة السويس، كتم العالم أنفاسه؛ مصر الثورة تتحدي القوي الدولية، وتفرض سيادتها وقوتها علي قناة السويس، شريان التجارة العالمية.

كان القرار بمثابة الصدمة للقوي الدولية، وأدي لوقوف العالم علي شفا حرب عالمية ثالثة، بين بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة من جهة، والاتحاد السوفيتي والقوي الشيوعية، من جهة أخري.

أدي قرار عبدالناصر الصعب، بتأميم قناة السويس، لشن العدوان الثلاثي علي مصر، أو ما عرف بحرب السويس، بعد تدبير مؤامرة بين بريطانيا وفرنسا وإسرائيل.

ولكن صمود شعب بورسعيد الباسل، ومن خلفه القيادة السياسية، والتحركات الدبلوماسية المصرية، فضحت المؤامرة وقضت علي قوي الاستعمار، وغيرت خريطة دول العالم الثالث والشرق الأوسط.

سبب العدوان الثلاثي 1956
كان الزعيم جمال عبدالناصر، يطمح بعد أن تمكن من طرد الاحتلال الإنجليزي من مصر، في بناء دولة مصرية قوية، ولكن أبت الدول الغربية، ترك مصر تنطلق للأمام، لاسيما مع الدور الذي تلعبه مصر، في دعم كفاح الثورات العربية والإفريقية، لنيل الاستقلال وطرد الاستعمار.

فعندما تقدمت مصر بطلب للحصول علي قرض من صندوق النقد الدولي، لتمويل مشروع السد العالي، تمت الموافقة علي الطلب في البداية، ولكن إسرائيل، التي كانت تحتل الأراضي العربية، ذهبت للتسلح بعقد صفقة أسلحة مع فرنسا.

وهو ما دفع مصر لطلب السلاح، من بريطانيا والولايات المتحدة، فرفضا الطلب المصري، مما يصب في صالح ترسانة الأسلحة الإسرائيلية، وقوتها في المنطقة.

لم يجد عبدالناصر سبيلًا للحصول علي السلاح، سوي التوجه إلي الاتحاد السوفيتي، والذي وافقت علي دعم مصر وقواتها العسكرية، في إطار الحرب الباردة مع أمريكا.

في هذا الوقت، وقف الجميع علي المحك، وتشابكت المصالح بين الشرق والغرب، وشنت بريطانيا والولايات المتحدة، حملة “أوميجا السرية” لتشويه صورة مصر وعبدالناصر، ومعاقبته بفرض عقوبات تحظر المساعدات العسكرية، وتقليص تمويل السد العالي وإلغائه بالكامل.

أمام هذا التحدى، لم يجد الزعيم عبدالناصر، وسيلة للانطلاق والتحرر، والحصول علي مورد لتمويل السد، إلا تأميم قناة السويس، ليوجه صفعة للدول الاستعمارية، فرنسا وبريطانيا، ومن خلفهم الولايات المتحدة.

الأدهى من ذلك، أن نجاح المصريين في إدارة خطوط الملاحة في القناة، بعد طرد الموظفين الأجانب، وفشل الحملة الدعائية ضد مصر، والضغط الدبلوماسي علي الحكومة المصرية، زاد من شدة الاحتقان بين أطراف الأزمة، بعد أن تبددت علل إعلان الحرب علي مصر.

مؤامرة
لم تجد فرنسا وسيلة لاسترجاع نفوذها علي منطقة القناة، سوي عقد بروتوكول “سيفرز أملين” السري، مع بريطانيا وإسرائيل، لاستخدام القوي العسكرية ضد مصر، والانتقام من عبدالناصر بسبب مساندته لثورة الجزائر.

أما بريطانيا، فكانت تريد الانتقام من ناصر، بسبب نجاحه في تحقيق الجلاء، وتحالفه مع الاتحاد السوفيتي، وهو ما قلص نفوذ الأسد العجوز في الشرق الأوسط، في حين وجدت إسرائيل الفرصة سانحة، لتدمير القوة العسكرية للجيش المصري واحتلال سيناء.

بدأ تنفيذ المؤامرة في 29 أكتوبر 1956، هبطت القوات الإسرائيلية في عمق سيناء، واتجهت إلي قناة السويس، لإقناع العالم أن الملاحة في القناة مهددة، وفي اليوم التالي، 30 أكتوبر، أصدرت فرنسا وبريطانيا، إنذاراً يطالب بوقف القتال، وانسحاب مصر وإسرائيل لمسافة 10 كم عن القناة، وقبول احتلال مدن القناة بواسطة الدولتين بريطانيا وفرنسا، بغرض حماية الملاحة الدولية.

رفضت مصر احتلال إقليم القناة، وفي اليوم التالي، 31 أكتوبر، هاجمت الدولتان مصر، لاستكمال باقي مؤامرة العدوان، بغارات مكثفة للطيران علي القاهرة الإسكندرية، واجه عبدالناصر ذلك الهجوم، بالانسحاب من القناة والإسكندرية، حتي لا تتشتت القوات المصرية، بين جبهة سيناء وجبهة القناة.

بورسعيد الباسلة تتصدي للعدوان
أمام الإصرار المصري علي التصدي للعدوان، ومنع الدول الاستعمارية من فرض سيطرتها، بدأ العدوان الأنجلوفرنسي علي مدن القناة، بالغارات في بورسعيد، في 5 نوفمبر 1956، وأحرقت القوات البريطانية حي المناخ بأكمله بالنابالم، وفي حي العرب، دمروا بالطائرات منطقة الجمرك القديمة، وعدد من العمارات السكنية.

وتم الإنزال المزدوج البريطاني، في مطار الجميل غرب المدينة، بينما كان الإنزال الفرنسي في منطقة الرسوة جنوب بورسعيد، بجانب الإنزال البرمائي البحري، والإنزال بالهليكوبتر البريطاني.

أمام هذا الهجوم للقوات المعادية، ضرب أهل بورسعيد مثالًا للمقاومة الشعبية، فكان القتال يدور من منزل لمنزل، وتمكنت المقاومة من تكبيد القوات المهاجمة خسائر كبيرة في حرب شوارع، تم التخطيط لها وفقا لتنظيم محكم، من قيادات الجيش المصري.

وتمكنت المقاومة من بث الرعب في قلوب القوات المهاجمة، بالرغم من تفوقها بالعتاد والسلاح، من خلال عمليات فدائية منظمة، ونجحت المقاومة في خطف الضابط “أنطوني مور هاوس”، ابن عمة الملكة أليزابيث، ملكة إنجلترا.

واغتيل الماجور جون وليامز، رئيس مخابرات القوات البريطانية في بورسعيد، وقد قام بهذه العملية أحد أفراد المقاومة السيد عسران، وقامت المقاومة، بالتعاون مع مجموعة الصاعقة، بمهاجمة الدبابات البريطانية بالصواريخ في شوارع بورسعيد، بقيادة بطل الصاعقة الملازم إبراهيم الرفاع.

وتمكنت المقاومة من مهاجمة مقر كتيبة بريطانية، فى مبنى مدرسة الوصفية نهارا، ومهاجمة الدوريات الراكبة والسائر لقوات العدوان، بالقنابل اليدوية، وهو ما كبد القوات المهاجمة خسائر كبيرة، تسببت في فضيحة عالمية للدول المهاجمة.

انتصار مصر علي العدوان الثلاثي
وبالرغم من نجاح القوات المعادية، في التقدم لمسافة 35 كم في امتداد القناة، بعد أن تمكنت من احتلال بورسعيد، إلا أن استبسال المقاومة، حرك العالم ضد القوات المعتدية، وساندت الدول العربية مصر أمام العدوان، وقامت بنسف أنابيب البترول.

ونجحت تحركات مصر الدولية، بمساندة دول العالم الثالث والشرق الأوسط، التي كانت تقاوم الاستعمار، في إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 2 نوفمبر، قرارا بوقف القتال.

واستمرت القوات المعادية في هجومها، إلا أن إنذار موسكو في 3 نوفمبر، باستخدام القوة النووية، في حال استمرار العمليات القتالية، كان له تأثير كبير، فقد أصبح العالم علي محك حرب عالمية ثالثة.

وهو ما جعل الولايات المتحدة، تتراجع عن موقفها المساند للعدوان، وأدي لوقف التغلغل القوات المهاجمة، وقبول إنجلترا وفرنسا وقف إطلاق النار، في 7 نوفمبر.

وتحت الضغوط الدولية، والفضيحة التي كشفت المؤامرة علي مصر، أنزل العلم البريطاني من فوق هيئة قناة السويس ببورسعيد، وانسحبت القوات المعادية من بورسعيد، في 22 ديسمبر، وفي اليوم التالي، 23 ديسمبر، تسلمت السلطات المصرية، مدينة بورسعيد واستردت قناة السويس، وهو تاريخ اتخذته المدينة عيدها القومي، أطلق عليه “عيد النصر”.

خرجت مصر من هذه الحرب منتصرة، وقلمت بورسعيد أظافر الأسد العجوز بريطانيا، لتغيير خريطة القوي في الشرق الأوسط، وانطلقت حركات التحرر في إفريقيا وآسيا، وزادت من قوة ونفوذ عبدالناصر والثورة، بعد كشف مخطط القوي الاستعمارية