العجوز والدار …. بقلم / شريف بدوى


بقلم / شريف بدوى
الحياة مليئة بالقصص والروايات التى تؤثر فى قلوبنا ونعتبرها بالنسبة لنا حكايات نحكيها لأولادنا وأصحابنا فى أوقات الفراغ ، إن الزمن هو المقياس الرئيسي الذى نقيس به فترة وجودنا فى الأرض وعندما تقترب نهاية حياتنا نسعى لان نخرج منها دون ان نكون عبء على احد حتى وان كانوا اقرب الناس إلينا وهم أبنائنا ، لقد شاهدته يجلس على رصيف احد الشوارع يبكى وتنهمر الدموع من عينيه ، اقتربت منه ورأيت نفسي أتحدث معه ، انه رجل عجوز قد يبلغ عمره بين السبعين والثمانين عاما ، اتجهت إليه وابتسمت فى وجهه وقلت له هل لك حاجة افعلها لك ، قال لا ، قلت له ، هل تسمح لى بمساعدتك لكى تصل الى منزلك ، نظر العجوز فى وجهي وابتسم وقال نعم ، ففتحت باب سيارتي وركب العجوز ، وفى الطريق سألته إلى أين ياوالدى قال ابحث لى عن دار للمسنين مثلى أعيش فيها ، قلت له ، أليس لك دار ، قال ، لا شان لك ، فاتجهت الى المكان الذى طلبه منى وأدخلته الدار ، ولكنى أحببت ان انتظر معه حتى تم تسكينه فى إحدى الغرف وقد دفع ثمن إقامته فيها ، وعندما جاء وقت رحيلي نظر العجوز فى وجهي وشكرني كثيرا على ما فعلته من اجله ورحلت ، وبعد عدة أيام وأنا فى البيت أتصفح صفحات التواصل الاجتماعي على الفيس بوك وجدت صورة العجوز وتحتها مناشدة له من أولاده بان يعود إليهم ، فذهبت الى الدار لأقابل العجوز واحكي له ، وعند اللقاء فرح بلقائي ثانية وتحدثت معه عن أولاده وما كتبوه عنه ليعود إليهم ، فنظر إلى وقال لي ليثنى كنت ميتا حتى يرتاح ضميري وأكون فى ذمة الرحمن الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء قدير ، قال العجوز لقد كنت ساعي فى احد البنوك الحكومية وخرجت على المعاش منذ زمن وتخرج ابنائى من الجامعة وتزوجوا وأنجبوا أولادا ولكنهم ما زالوا يعيشون فى نفس البيت لأنهم عجزوا عن توفير ما يمنحهم شراء سكن لهم ،وما زلت أساعدهم لكي يستكملوا متطلبات حياتهم خلال الشهر ، وأنا اعمل سائق خاص عند احد رجال الأعمال ومرتبي أنفقه عليهم وخاصة بعد موت زوجتي رحمة الله عليها ، كان أملى فى الحياة أن أحج بيت الله الحرام ولكنى عجزت عن ذلك لاحتياج اولادى الشديد لكل ما امتلكه ، ولكن جاء يوم مرض احد ابنائى مرضا شديدا وقال الأطباء انه يحتاج الى عملية سريعا لكي يبقى على قيد الحياة ، والعملية تحتاج الى مبلغ كبير من المال عجزت أنا واولادى عن توفيره فمات الابن وبقى لي اولاده وأنا رجلا عجوز ، فجلست على رصيف الشارع اشكوا ضعف قوتى الى الله ، وفكرت أن أكون بعيدا عن اولادى لكي يعتمدوا على أنفسهم فى حياتهم يواجهوا الأزمات والمحن بدوني وأنا وجدت لي مكان أكمل فيه ما تبقى من عمري وهو هذه الدار ، إن تربية أولادنا واجب علينا نحن البشر ولكن يجب أن نعلمهم كيفية الاختيار المناسب لحياتهم فى المستقبل ، ليس مهمة الأسرة التربية فقط ولكن مهمتها الكبرى هى بناء جيل قادر على العطاء مهما كانت التحديات التى تواجهه ، لقد عرضت نموذج من ضمن العديد من التمازج الموجودة فى مجتمعاتنا البطل فيها هو الأب والجد معا وقد علم هذا البطل إن سعادة أبنائه فى ان يعلمهم تحمل المسئولية وليست إطعامهم وتلبية احتياجاتهم فقط ، ومن جانب اخر يجب على الدولة أن تعلم أبنائها من الشعب المصري ما يجعلهم يعتمدون على أنفسهم وليس إطعامهم وتلبية احتياجاتهم فقط .