بالصور.. “تنيس” بقايا أطلال لمدينة أثرية وسط بحيرة المنزلة فى بورسعيد.. اشتهرت بصناعة النسيج وكسوة الكعبة الشريفة على مدار 6 قرون.. وسجلت نشاطا حضاريا يفوق حجمها فى مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية

بورسعيد – محمد فرج

كانت تنيس أكبر الجزر فى العصر الإسلامى حيث تقع فى أقصى الشمال الشرقى من بحيرة المنزلة والجنوب الغربى من بورسعيد وعلى بعد حوالى ثمانية كيلو مترات وهو امتداد طريق الخط الملاحى لقنال المنزلة الذى يربط بين بورسعيد والمطرية دقهلية وسط بحيرة صغيرة قليلة العمق تعرف باسم “البشتير” وقدرها المجلس الأعلى للآثار بحوالى 215 فدانا، بينما قدرت مساحتها بعثة جامعة “كامبردج” من خلال أعمال المسح الأخيرة 93 هكتارا رغم أنها بقايا أطلال.

وفى بداية اللقاء قال طارق إبراهيم الحسينى مدير عام الآثار ببورسعيد وبحيرة المنزلة لـ”اليوم السابع”، أن اسم “تنيس” الذى أطلقه المؤرخون العرب على هذه المدينة هو مشتق من اللفظ اليونانى “نيسوس” وقد أضيفت فى أوله علامـة التأنيث القبطية فأصبحت ” تنيسوس ” وتعنى الجزيرة لذا يصبح جلى أن الاسم مشتق من شكل موضع أرض تنيس وسماته الطبيعية أرض يحيط بها الماء من جميع الجهات ومن ثم يتحقق أصل الاسم الناتج عن الوصف الطبيعى لموضعها بغض النظر عمن أطلقه على المدينة أو تلك البقعة من الأرض.

وأوضح أنه مع بداية الفتح العربى لـ”تنيس” وصفت بأنها مجرد أخصاص من قصب حتى عرفت بذات الأخصاص وظلت هكذا إلى صدر من أيام بنى أمية وجاء ازدهارها ونموها حين برزت كمدينة متخصصة فى صناعة أنواع من النسيج المشهور وواصلت نموها خلال حكم الخلافة العباسية إلى أن بدء فى بناء سورها فى عصر المتوكل على الله العباسى عام 230 ھ وانتهى منه فى 239 ھ “.

وأشار أن الموقع الجغرافى المتميز لتنيس قدر له أن يلعب دوراً هاماً فى المجالين السياسى والحربى طوال تاريخها وتميزت كرباط بموقعها الجزرى الحصين مؤكدا أن أهل تنيس سادة المرابطين لأنهم فى جزيرة محاصرين كما كانت فى حماية حصن أو رباط الأشتوم “أشتوم بحيرة تنيس” وكان يعد هذا الحصن بمثابة خط دفاع أمامى لها كما كانت دمياط بإمكانياتها الحربية فى وضع يـمكنها مـن مساعـدة ومساندة تنيس عند تعرضها للأخطار الخارجية ولعبت تنيس دوراً مميزاً فى المجالين السياسى والحربى حتى الربع الأول من القرن السابع الهجرى سواء أثناء الصراعات الداخلية أو أثناء الغزو الخارجى.

ومن ثم كان لـتنيس دورا هاما فى الأحداث السياسية أثناء عصر الولاة فى الفترة محـل النزاع بين ولدى هارون الرشيد الأمين والمأمون حين استطاع عبد العزيز الجروى وولده أثناء هذه الفترة من إقامة إمارة بـ تنيس على ساحل مصر كانت تبسط سلطانها على الإسكندرية ومدت سيطرتها جنوبا حتى بلبيس كما استولت على الصعيد مدة مـن الزمن حتى لقبه صاحب الانتصار بملك الساحل.

وأضاف أن تنيس الكاملة تشغل مساحة كيلو متر مربع واحد تقريبا والتل الأثرى يرتفع تدريجيا من شاطئ البحيرة مكونا تلال صغيرة يعلو بعضها بضعة أقدام والبعض الآخر بضعة أمتار يميزها المرء وسط أنقاض واسعة من الطوب الأحمر وشقاف من الخزف والفخار وقطع زجاجية من كل لون. وأشار أن التل يميل لونه للون الأحمر الطوبى نتيجة لتحلل بقايا المبانى القديمة التى كانت مبنية بالطوب الأحمر والتى ترجع للعوامل الطبيعية التى تسود المنطقة على مدار العام فقد تشربت بمياه الأمطار وتركت طبقات هشة تكسو وجه الأرض والتلال الحالية.

وعن حفائر تنيس قال مدير الآثار أنه فى الحقيقة لم يكن هناك اهتمام أثرى بالمنطقة حتى عام 1910 وعندما قامت لجنة حفظ الآثار العربية بإرسال أحــد مفتشيـها وهو المهندس الإيطالى “باترو كلوا” Patricolo الذى ذكر فى تقريره فى عام 1911 أنه لم يعد بين أطلال هذه المدينة غير أنقاض قلعة كصهاريج لللماء وقد كشف عن أربعة صهاريج وعمل تخطيط لها ولم يبدأ العمل فى أطلالها مرة أخرى الإ فى عام 1979م حين أرسلت هيئة الآثار المصرية بعثة للحفائر برئاسة عباس الشناوى ثم توقف العمل مرة آخرى إلى أن جاء عام 1990 وإستمر العمل فى الحفائر ثمانية مواسم متتالية حتى موسم 1998 وتوقف العمل ثم استكمل عام 2003 وتوقف ثم استكمل 2009 وحتى2010 م وكانا آخر موسمين لحفائر التل.

ومن جانبه قال طارق إن ما تم من حفائر فى أطلال تنيس قد أماط اللثام عن مساحة صغيرة جدا وهى منطقة الحفائر الرئيسية تقدر بنسبة 4% من الحجم الكلى للتل الذى يقدر بمساحة كيلو متر مربع واحد تقريبا ومن ثم لم نستطع التعرف إلا على القليل من الملامح المعمارية داخل الجزيرة وأن أمدتنا على جانب آخر بتميز وانفراد عن غيرها من المدن ببعض المرافق التى جاءت بسبب طبيعتها كجزيرة منعزلة فى وسط البحيرة بالإضافة إلى الصهاريج والمصانع المخصصة للماء العذب حيث تم الكشف عن واحد وعشرين من صهاريج المياه العذبة وشبكة طويلة من القنوات تمتد بطول مائة وسبعون مترا تنقل توصل الماء فيما بين المصانع والصهاريج ووحدات تنقية الماء وأحواض للترسيب ومراقبة جريانه بالإضافة لبعض الآبار المتصلة بها.

ومن جانبه أكد مدير الآثار أن أعمال الحفائر كشفت عن الأنشطة التى كانت تمارس فى “تنيس” على سبيل المثال الأنشطة الحرفية والصناعية العديدة حيث ظلت تتمتع بشهرة واسعة فى صناعة النسيج حيث كانت الصناعة الرئيسية طوال حياتها وأشهرها إنتاج أنواع القباطى والثياب المشهورة من القصب والشروب.

وذكر أن بعض المراجع أشارت إلى مدى اهتمام العباسيين والطولونيين والإخشيديين والفاطميين بمصانع النسيج فى تنيس التى أطلق عليها دور الطراز وما كانت تنتجه من أنواع الخلع الثمينة والمطرزة بأسماء الخلفاء ووزرائهم فضلا عن كسوة الكعبة الشريفة. وتابع أن النصوص التى عثر عليها كشفت عن المنسوجات المحفوظة بمتحف الفن الإسلامى بالقاهرة وبعض المتاحف العالمية وبعض المجموعات الخاصة حول العالم التى أكدت عن مدى التقدم وما صلت إليه الصناعة فى تنيس.

وفى سياق متصل أكد طارق بأنه تم الكشف عن التحف المنقولة من شتى أنواع الفنون التطبيقية من خلال الحفائر والتعرف على مدى انتشار صناعة الفخار من شبابيك القلل تلك الأوانى الفخارية ذات الون الأصفر الضارب إلى الخضرة أو الرمادى والتى كانت تستخدم فى تبريد مياه الشرب.

وأشار طارق أن الحفائر أمدتنا بأشكال متنوعة من الأوانى ذات اللون الأسود سميكة الجدران مخروطية أو كمثرية الشكل ذات طرف مسلوب إلى أسفل غالبا تخلو من أى زخارف إلا من حزوز عند طرفها المسلوب وربما يكون هذا النوع استخدم كقنابل يدوية أو كمسارج تضاء بالنفط.

وأكد مدير الآثار لـ “اليوم السابع ” بأن تنيس لعبت دوراً حضارياً كبيراً فى تاريخ مصر الإسلاميه بما حفلت به من استيطان بشرى كبير أدى إلى إزدهار مختلف فى شتى أنواع المجالات التجارة والصناعات بالإضافة إلى نبوغ الكثير من أهل العلم فكانت عاصمة الإقليم الرابع وكانت ثغراً هاماً ومقراً للأسطول وبها دار صناعة السفن ومركزاً هاماً من أهم مراكز صناعة النسيج الراقى الرفيع وبها كانت تصنع كسوة الكعبة المشرفة قرونا طويلة حيث كان معظم أهلها يشتغلون بصناعة النسيج والحياكة وصيد الأسماك والطيور.

ومن ثم انتهى دور تنيس وبقى اسمها فى كتب التاريخ يحمل ذكريات مدينة كبيرة نهضت بدور بارز طوال ستة قرون سجلت نشاطا حضاريا يفوق حجمها فى مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والفكرية