النصف الممتلئ بقلم الدكتورة نجلاء صالح

بقلم الدكتورة نجلاء صالح

فى كل عصر وفى كل مكان هناك من ينظرون إلى النصف الفارغ من الكوب وهناك من ينظرون إلى النصف الممتلئ منه، و التفاؤل من الصفات الرئيسة لأي شخصية ناجحة، فالتفاؤل يزرع الأمل، ويعمق الثقة بالنفس ، ويحفز على النشاط والعمل، وهذه كلها عناصر لاغني عنها لتحقيق النجاح. ويعتبر التفاؤل تعبيراً صادقاً عن الرؤية الايجابية للحياة، فالمتفائل ينظر للحياة بأمل، وايجابية، للحاضر والمستقبل، وأيضا للماضي حيث الدروس والعبر ، ورغم كل التحديات والمصاعب التي يواجهها الإنسان في الحياة، فلإنه لابد وأن ينتصر الأمل على اليأس، والتفاؤل على التشاؤم ، والرجاء على القنوط.. تماماً كانتصار الشمس على الظلام.
وهناك من يشعر بالإحباط ومن يحدوه الأمل من يئس من الحياة ومن يقبل عليها، من يرى الفشل ومن يرى النجاح، من يرى القبيح ومن يرى الجميل، وبالطبع فإن الطريق الأيسر والأسهل أن يقبع كل منا فى مكانه ينتقد هذا وذاك ويتتبع عثرات الناس فى الطريق للنجاح ويسخر من كبوة هذا أوعيب ذاك، ولا يكلف نفسه عناء الإصلاح، أوالنهوض للسير فى طريق النجاح، أيسر شىء هوالنقد الهدام الذى لا يهدف سوى للنقد وتحطيم كل محاولة للإصلاح، فالإحباط الذى يصيب نفسه ومن حوله به يكسر كل محاولة للنجاح، ولقد دأبت الأجيال المتلاحقة فى السنوات الماضية فقط على النقد لكل شخص ولكل شىء حولها، دون أن تحاول أن تأتى هى بجديد، هم ينتقدون الفقر والتخلف وأساليب التعليم والتأخر العلمى والتقنى لكنهم لا يبذلون الجهد لتغيير هذا الواقع الذى لا يرضيهم، لا يعملون بدأب لزيادة الإنتاج ولا يؤدون ما عليهم نحومجتمعاتهم بضمير وحكمة استشراف للمستقبل، هم ينتقدون ظروفهم المعيشية ولا يسعون لتحسينها، ينتقدون الأمية الثقافية ولا يسعون لمحوها، لا يساعدون المحتاج ولا يعينون ذا الحاجة حتى لا يكون معيلاً على غيره برغم أنهم ينتقدون القادرين، والأغنياء ومن لديهم الصحة والفراغ ولا يعينون بها الناس على قضاء حوائجهم، ينتقدون أصحاب النفوس الضعيفة ومعدومى الضمير والأمانة ومع ذلك لا يتوانى أى منهم فى استغلال أدنى فرصة أو منصب أو أى نعمة أنعمها الله عليه دون أن يراعى الآخرين، ودون أن ينتقد نفسه أو يشعر بوخز الضمير، حتى فى الدين الجميع ينتقد بعضه، كل الناس تنظر من أعلى لبعضها البعض تسخر وتنتقد وتلوم وتجرح وتتصيد أخطاء وعثرات الآخرين ولا تكلف نفسها عناء محاولة التبصير للغير أو التضحية ولو بالقليل، أو على الأقل ستر عورات وزلات الناس.
ومنهم من لا يلقي بالمسئولية على غيرهم، يفعلوا كل ما يستطيعون وأى شىء يقدرون عليه، بمنتهى البساطة والتلقائية، ولذلك ينجح هؤلاء فى كل المجالات برغم الصعوبات والعراقيل والمعاناة.
فالطبيب الذى يعتبر أن مسئوليته هى الوصول بأفضل عناية وعلاج لأى مريض مهما كانت الظروف بالغة السوء اجتماعياً واقتصادياً، والعالم الذى لا يكف عن أبحاثه مهما طال الجهل وعدم التقدير للعلماء والباحثين والمربى الفاضل الذى خرج أجيالا من النبغاء بجهده وصبره ومعاناته من أساليب التعليم البالية، والصانع ورجل المال الذى ينتج ويبيع ويشترى ما يحتاجه مجتمعه، والزارع الذى يحاول إغناء بلده عمن يذلونها، بالقوت والغذاء، بدلاً من البحث عن الكسب السريع والثراء، ومن يسعون لتقديم مساعدات للمحتاجين فى كل مكان ومجال، فقراء كانوا أومرضى أو ضعفاء مقهورين، أو محتاجين لأى عون، ورجل الدين الذى يبين للناس حقيقة الدين وييسر عليهم ويحببهم فى طريق الله ويسهل لهم طرق الخير والتوبة والفلاح ويدفعهم للإنجاز والإنتاج والتقدم فى كل المجالات بعلمه ونصحه وقدرته وبشاشته وحسن خلقه وعدم الاستظهار بعلمه وفقهه، ينجح كل هؤلاء وينجح كل من يحذون حذوهم كل يوم.بعيداً عن الضجيج والصراخ والنقد والتقليل والتهويل والإحباط يعيش هؤلاء يعملون بدأب، يصلحون ولا يكسرون، يبنون ولا يهدمون، يعمرون ولا يخربون، يحترمون الناس ويُحترمون، فتحية تقدير وإعزاز لهؤلاء الذين يسعون لملء كل الأكواب الفارغة ودعاء بالهداية لكل من هم ليسوا كهؤلاءً