رحيل زها حديد: معمارية كسرت قوانين إقليدس.. و«25 يناير» أوقفت مشروعها في مصر

440679_0

ختارت أن تهدم كل أسس الهندسة الإقليديسة، لأبي الهندسة كما يلقب العالم اليوناني، إقليدس ، التي درستها في كتب الرياضيات في مراحلها التعليمية، وتتحدي الجاذبية الأرضية بمساعدة «الحديد» في تصميماتها لترسي هندسة غير منتظمة في أعمالها وتصاميمها لتقود أهم الحركات المعمارية التي ظهرت في القرن الـ20 إنها المهندسة العراقية زها حديد التي توقف مثلثها ومسطرتها وقلمها عن الإبداع بعد أن توقف قلبها عن النبض، الخميس، 31 مارس، إثر نوبة قلبية في مستشفى ميامي بأمريكا، لتفارق الحياة في عمر الـ66 عامًا.
ابنة وزير المالية العراقي الأسبق، محمد حديد، ولدت في 31 أكتوبر عام 1950 ودرست في بغداد حتى انتهائها من الثانوية العامة، وحصلت على الليسانس في الرياضيات من الجامعة الأمريكية في بيروت 1971، وذاع صيتها في الأوساط المعمارية الغربية، وتخرجت عام 1977 في الجمعية المعمارية «AA» أو «Architectural Association» بلندن، لتعمل كمعيدة في كلية العمارة 1987، انتظمت كأستاذة زائرة أو استاذة كرسي في عدة جامعات في أوروبا بأمريكا منها هارفرد وشيكاغو وهامبورج وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وييل.

وشيكاغو وهامبورج وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وييل.

زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس
زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس

وفي طريقها الذي رسمته لنفسها بشخصيتها المتحدية للتقاليد والكاسرة للقواعد استطاعت في 2004 أن تسطر اسمها بأحرف من ذهب بعد فوزها بجائزة «بريتزكر في التصميم المعماري» التي تعادل جائزة نوبل، لتصبح أول امرأة تفوز بها منذ بدايتها التي يرجع تاريخها لنحو 25 عاماً، وأصغر من فاز بها سناً، لتلفت أنظار العالم لها خاصة بعد تكريمها من أساطين العمارة مثل الياباني كانزو تانك، لتصنع لها مكانة خاصة في وسط فحول العمارة العالمية.
«حديد» لم يكن لقب عائلتها فقط، بل كان المادة التي صنعت نجوميتها في سماء الهندسة المعمارية، حيث كان اللاعب الأساسي في أسلوب زها حداد المعماري الذي اعتمد على الهدم والتفكيك، وهو معقد إذ يعتمد على هندسة غير منتظمة، ولجأت لاستخدام الحديد في تصاميمها لتحمله درجات كبيرة من أحمال الشد والضغط تمكنها من تنفيذ تشكيلات حرة وجريئة، وبذلك أرست اتجاها جديدا في عالم الهندسة المعمارية بداية من عام 1971 ليعد من أهم الحركات المعمارية التي ظهرت في القرن الـ20.

زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس
زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس

التجريد الديناميكي.. هكذا سمي أسلوب زها حديد الهندسية، وهو يعتمد على تحدي الجاذبية الأرضية بالإصرار على الأسقف والكمرات الطائرة، مع ديناميكية التشكيل، ورغم اتهام النقاد لها بأن تصميماتها غير قابلة للتنفيذ، لاعتمادها في البناء على الدعامات العجيبة والمائلة، ووصفها بأنها مهندسة «قرطاس» إلا أنها أخرست ألسنة نقادها بعد اكتمال تشييد متحف العلوم في فولفسبيوج شمال ألمانيا، الذي افتتح في نوفمبر 2005 .

«جميع تصميماتها في حركة سائبة لا تحددها خطوط عمودية أو أفقية، إنها ليست عمارة المرأة؛ فهي فنانة مرهفة تقدم ما تشعر به من تأثير التطور التقني والفني في جميع اتجاهاته في عالم أصبح قرية صغيرة» بهذه الكلمات كانت توصف أعمال زها حديد الهندسية، لما تتميز به من خيال ومثالية، حتى وصفت أعمالها بسفن الفضاء التي تسبح دون تأثير الجاذبية في فضاء مترامي الأطراف، لتعتبر أكبر عملية مناورة في مجال العمارة.

زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس
زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس

وبحلول عام 1979 أسست «حديد» لعملها في لندن باسم «Zaha Hadid Architects» ليبدأ صيتها بالانتشار حول العالم بمشروعات خرجت عن المألوف مثل مشروع «Peak» في هونج كونج عام 1983، ومشروع دار «Cardiff Bay» للأوبرا في ويلز ببريطانيا عام 1994.

ومن المشاريع التي أوصلت حديد بجدارة إلى الساحة العالمية كان مبنى محطة «Vitra» للإطفاء بألمانيا عام 1993، بالإضافة إلى مبنى متحف الفن الإيطالي في القرن الحادي والعشرين في روما عام 2009، ومركز لندن للرياضات البحرية والذي خصص للألعاب الأولمبية التي أقيمت عام 2012، ومركز حيدر علييف الثقافي في باكو عام 2013.

زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس
زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس

وتلقت العديد من الميداليات والألقاب الشرفية، من بينها ميدالية «Commandeur de l’ordre des Arts et des Lettres» من فرنسا، والوسام الإمبراطوري الياباني عام 2012، حصلت على لقب قائدة من طبقة الامبراطورية البريطانية، وأصبحت زها عضواً شرفياً في الأكاديمية الأمريكية للفنون وزميلة في مركز الهندسة الأمريكي، وفي عام 2014 كانت زها حديد أول امرأة تتلقى جائزة «Pritzker» للهندسة.

ومن أعمال زها حديد العالمية محطة إطفاء حريق في ألمانيا، ومتحف الفن الحديث في مدينة سينسيناتي بأمريكا، ومركز الفنون الحديثة في روما، ومعرض منطقة العقل في الألفية بلندن، وجسر في أبوظبي، ومحطة لقطار الأنفاق في ستراسبورج، والمركز العلمي في ولسبورج، ومحطة البواخر في سالرينو، ومركز للتزحلق على الجليد في إنسبروك، والمركز الرئيسي لشركة بي إم دابليو في ألمانيا.

وحال موت زها حديد دون اكتمال عدة مشاريع أهمها تصميم مشروع القاهرة إكسبو سيتي، الذي كانت تخطط أن يعتمد على طبيعة دلتا النيل بحيث يتوسط المشروع نهر، وله فروع ممتدة إلى جميع جوانب المدينة الثقافية، ويقع المشروع على مساحة 450 ألف متر مربع ليضم مركزا دوليا للمعارض ومجمعا للمؤتمرات وفندقا لرجال الأعمال يصل إلى حوالي 33 طابقا ومركزا للتسوق، ويقع المشروع بين وسط القاهرة ومطار القاهرة الدولي، وقد بدأ العمل في المشروع منذ عام 2009، لكن مواعيد الانتهاء من المشاريع العمرانية اختلت بسبب ظروف ثورة 25 يناير وما تلاها من اضطرابات في مصر.

زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس
زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس

وأيضا مشروع محطة مترو الرياض الذي يتم حالياً إنشاء محطة مترو مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، ومن المخطط أن تصبح المحطة نقطة محورية في مدينة الرياض لتعمل على تخفيف الازدحام المروري بشكل كبير، لتصميم عبارة عن تموجات كبيرة تعبر عن التدفق اليومي لحركة المرور في الرياض والتي يسكنها 5 ملايين شخص.

المبنى العائم بدبي الذي يحمل اسم Opus الذي من المقرر أن يكون عبارة عن مكعب تم تفريغه من الداخل ليصبح برجين بارتفاع 21 طابقا، يربطهما حدود الصندوق من أسفل وأعلى بطريقة انسيابية، وسيضم هذا المبنى مجموعة مطاعم عالمية إلى جانب العلامات التجارية الشهيرة على مساحة 250 ألف قدم مربع، وفي الصباح يكون المبنى لامعا بانعكاس أشعة الشمس عليه، أما في المساء فتمتص واجهتها الزجاجية الضوء وتتألق بإضاءة صناعية رائعة.

زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس
زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس

وفي بداية 2016 كان التكريم الأخير والتتويج الأكبر للمعمارية التي مثلت فخرا للعرب في العالم أجمع بعد فوزها بالميدالية الذهبية من المعهد الملكي البريطاني للهندسة المعمارية، كأول امرأة تحصل على هذه الجائزة التي هي أعلى تكريم يقدمه المعهد الملكي البريطاني اعترافا بالإنجاز التاريخي في مجال الهندسة المعمارية.كما سبق أن فازت بوسام التقدير من الملكة البريطانية، واختيرت كأفضل الشخصيات في بريطانيا عام 2012.

ونعى السياسي الدكتور محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية السابق، وفاة زها حديد في تغريدة نشرها باللغة الإنجليزية على «تويتر»: «زها حديد امرأة عربية استطاعت بموهبتها وإبداعها توسيع الأفق، ومواجهة التقاليد لتُثري إنسانيتنا، إنها ستظل ملهمة دائمًا».

زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس
زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس
زها حديد.. المعمارية التي كسرت قوانين إقليدس