القراءة وترقية الذات _ الجزء الأول

12208461_1092133874172918_4931608598878345778_nh

د/ محمد سعيد حسب النبي
من مقال سابق نشر في جريدة الاتحاد الإماراتية
في ظلال كلمة اقرأ:
“اقرأ باسم ربك الذي خلق(1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم(3) الذي علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم(5)” (العلق، 1-5) بهذه الكلمات ذات الدلالات العلمية بدأ وحي السماء على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وهي آيات لا تخلو من دهشة وتدعو للتساؤل.. لماذا بدأ الوحي بكلمة اقرأ؟ ولطالما سألت نفسي هذا السؤال.. لماذا..؟ لأنه بقليل منطق يتضح أن آية أخرى كانت أحرى أن يُبتدأ بها الوحي، وهي قوله تعالى:”قل هو الله أحد” لماذا؟ الإجابة: لتأتي مناسبة للسياق الشائع في ذلك الوقت، وهو تعدد الآلهة، وليسمح لي القارئ بتأمل هذا المثل – ولله المثل الأعلى- إذا دخلت بيتك ووجدت أبناءك يتشاجرون فيما بينهم فما أول كلمة أو أمر ستبدأ به؟ لاشك أن أول أمر سيكون اصمتوا، أو انتهوا .. أوغيرها من الأفعال التي تأتي متناغمة مع الحدث، ولا يتوقع أن تقول لهم: كلوا .. أواقرأوا، لأن الفعل لا يتناسب مع الحدث، وهكذا في سياق الحديث عن فعل الأمر اقرأ في وقت انتشر فيه تعدد الآلهة، ولكن جاء فعل الأمر “اقرأ” بعيداً عن سياقه، ولعل بعضنا يتساءل فيقول: ربما كان مقصد الآية تعلم مهارات القراءة حيث كان العصر يوسم بالعصر الجاهلي. وهذا غير صحيح؛ فجاهلية ذلك الوقت كانت جاهلية في الخُلق والطبع، وعصبية فرضتها طبيعة الزمان والمكان الذي وجد فيه العربي آنذاك، ومن المعروف تاريخياً أن من العرب من كان يستطيع القراءة والكتابة، وكان من بينهم كُتاب الوحي، وهذا موضوع يحتاج إلى تفصيل في مقام آخر.
إذن الأمر الإلهي اقرأ له مبرر ظهور، ومن وجهة نظري جاء هذا الفعل ليؤرخ لبداية عصر جديد وهو عصر المعرفة والعلم، وأن من يزعم أننا نعيش الآن عصر العلم، نقول له: عصر العلم بدأ منذ أمد بعيد، بدأ مع عصر النبوة ومع كلمة اقرأ التي بدأ اتصال الأرض بالسماء.
ثم تأمل كلمة (علق) وكلمة (عَلًّم) نجد أن العلاقة بينهما تحتاج إلى تأمل، حيث إن العلقة هي أخس مراتب الإنسان وهي من المراحل الأولى في خلقه، ثم انظر لكلمة (عَلَّم) نجد أنها أعلى مراتب الإنسان وأشرفها .. أن يكون عالماً، وكأن الله تعالى يقول: تأمل حالك حين كنت علقة، وإلى آخر حالك حين صرت ناطقاً عالماً بحقائق الأشياء، ولا يمكن الانتقال بين الحالتين إلى بتدبير الخالق أولاً ثم بالتوسل بالقراءة ثانياً، ومن هنا نجد أن للقراءة دوراً فطرياً في تطور الذات وترقيها.